السيد عباس علي الموسوي

45

شرح نهج البلاغة

ما يمكن أن يذكر بالدنيا وزينتها فصلوات اللّه عليه أعرض عنها بقلبه وهذا هو الزهد الحقيقي والبعد عنها حقيقة وأمات ذكرها من نفسه فهي لا تخطر له على بال ولا يفكر فيها لحظة أو في مقام وتبعا لذلك أحب أن تغيب عن عينيه زينتها فلا يتخذ منها زينة أو فراشا وثيابا فاخرة ولا يذهب إلى أنها دار قرار أو مكان إقامة دائمة ولذا أخرجها من النفس فليس لها محل وأبعدها عن قلبه الشريف وعن بصره وهذه حالة من أبغض شيئا أبغض النظر إليه كما أبغض ذكره عنده وهذه حالة نفسية أو عقيدية يعيشها المسلم تبعا لنبيه فإنه إذا كره شيئا كره النظر إليه أو الحديث عنه . . . وبعبارة موجزة أن النبي صلّى اللّه عليه وآله لم يرد الدنيا وزينتها فكل ما يدعو إليها أراد البعد عنه وطلب تغيبه عن عينه والامتناع عن الحديث فيه . . . ( ولقد كان في رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - ما يدلك على مساوى ء الدنيا وعيوبها إذ جاع فيها مع خاصته وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته ) لقد كان فيما جرى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع الدنيا ما يدلك على مساويها وعيوبها فلقد جاع فيها مع أهل بيته وانقبضت عنه بزينتها وما فيها من مباهج مع أنه أقرب الناس من اللّه وأحبهم إليه وإذا كان أقرب الخلق إلى اللّه تتعامل معه الدنيا بهذه الطريقة فيكفي بذلك عيوبا لها ومساوي فيها . وهذه مقدمة أراد من خلالها أن يدخل إلى نتيجة ذكرها بقوله : ( فلينظر ناظر بعقله : أكرم اللّه محمدا بذلك أم أهانه فإن قال : أهانه فقد كذب - واللّه العظيم - بالإفك العظيم وإن قال : أكرمه فليعلم أن اللّه قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه ) أمر عليه السلام أن يفكر صاحب العقل بفكره ويحد النظر جيدا هل أن اللّه عندما زوى الدنيا عن نبيه وخاصته هل زواها إهانة له أم إكراما منه له ولا يخلو الأمر من أحدهما فإن قال : إنما زواها إهانة له فقد كذب من ادعى ذلك وجاء بالكذب العظيم والافتراء المبين لأن من كان من خواصّ اللّه وأقرب الناس إليه وأشدهم طاعة له والتزاما بأمره لم يكن ذلك ليقابل بالإهانة والجفاء . . . وإن قال : إنما زواها عنه إكراما له لأنها حقيرة وهو أجل منها وأعظم فلا تليق بشأنه وجلاله فليعلم أنه عندما يبسطها لغيره ويعطيها لسواه إنما ذلك إهانة له واحتقارا منه له فيكون بسط الدنيا للناس إهانة وزويها عن نبيه إكراما . . . ( فتأسى متأس بنبيه واقتص أثره وولج مولجه وإلا فلا يأمن الهلكة ) إخبار يراد به الأمر أن يتأسى الإنسان بنبيه الذي أكرمه اللّه حيث زوى الدنيا عنه وأن يقتص أثره أي