السيد عباس علي الموسوي
424
شرح نهج البلاغة
والأمانة ثقيلة وقد خسر من ليس من أهلها وضل عن الطريق وشقى بهذا الانحراف . وما ذكره الإمام من تعظيم لها مأخوذ من قوله تعالى : إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إنِهَُّ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا . . . فإن هذه السماوات المبنية بهذه الدقة وهذه الأرض المبسوطة كما ترى وهذه الجبال ذات الطول والعرض التي ليس هناك أعظم منها كلها قد امتنعت عن حمل الأمانة وخافت من التقصير في حملها لأن عقوبتها عظيمة . . . إنها عرفت مدى الخطورة في حملها ولكن هذا الإنسان لجهله وغبائه حملها ووقع فيما أشفقت منه السماوات والأرض والجبال إنه كثير الظلم جهول بما يحمل لا يعرف خطره ولا أثره . . . وقد وردت الأحاديث الكثيرة في إداء الأمانة ووجوب الوفاء بها ويكفي ما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم من قوله : « لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل ولكن انظروا إلى صدق الحديث وإداء الأمانة » . وفي الحديث عن الصادق يقول : اتقوا اللّه وعليكم بإداء الأمانة إلى من ائتمنكم ، فلو إن قاتل أمير المؤمنين ائتمنني على أمانة لأديتها إليه . . . وقد دار الحديث طويلا في هذه الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال كما دار الجدل في إبائها عن تحملها واشفاقها من ذلك . والظاهر أن الأمانة هي أمانة التكليف والمسؤولية وإباء السماوات والأرض والجبال هو عجزها التكويني والإباء كان بلسان الحال . . . وغرض الإمام هو أن يذكر هذا الإنسان بأهمية الأمانة وإن هذه المخلوقات على عظمتها وضخامتها وقوتها ومتانتها أبت تحمل الأمانة خوفا من التقصير والعجز المؤدي إلى عقاب اللّه فكيف يحملها هذا الجرم الصغير - وهو الإنسان - وطالما أنه تحملها فعليه أن يؤديها كما تحملها . . . ( إن اللّه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم ونهارهم لطف به خبرا وأحاط به علما أعضاؤكم شهوده وجوارحكم جنوده وضمائركم عيونه وخلواتكم عيانه ) أشار إلى عموم علم اللّه وإنه لا يخفى عليه ما يعمله هذا الإنسان في ليل أو نهار من خير أو شر وهو الخبير فيما دقّ من الأمور وخفي وعلمه محيط بكل صغائر الأمور