السيد عباس علي الموسوي
407
شرح نهج البلاغة
في الآخرة دار الكرامة التي هي الجنة . ( وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها ) فإن رحمة اللّه تنعطف وتميل نحو الأتقياء بعد أن كانت شاردة عنهم ونافرة منهم ورحمته قد تفسر بألطافه الإلهية التي ينكشف من خلالها لهم ملكوت السماوات والأرض وحقائق الأمور ودقائقها . ( وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها ) فإن نفس التقي لصفائها واستعدادها يمدّها اللّه بأنواع النعم وأهمها العلم والمعرفة وإدراك سر الأشياء قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيرَزْقُهُْ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ . . . . ( ووبلت عليه البركة بعد ارذاذها ) بعد أن كانت البركة قليلة كقطرات المطر القليلة الصغيرة أضحت بالتقوى كالمطر الشديد الغزير . ( فاتقوا اللّه الذي نفعكم بموعظته ووعظكم برسالته وأمتن عليكم بنعمته ) أمر بالتقوى من جديد ، فاتقوا اللّه الذي أفادكم فيما وعظكم به في كتابه وعلى ألسنة رسله عندما ذكر الأمم السابقة وما فعلوا وكيف أخذهم وكيف ذكر الرموز الضالة فأهملها وكيف أنعم على الأنبياء والأتقياء فاصطفاهم وصفاهم وهكذا . وكذلك وعظنا اللّه برسالته الإسلامية الإلهية التي أنقذنا بها من الظلمات إلى النور وكذلك أمتن علينا بنعمته حيث قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها . ( فعبّدوا أنفسكم لعبادته وأخرجوا إليه من حق طاعته ) ذللوا أنفسكم لطاعة اللّه وطلب رضاه والعمل بما أمر أي قوموا بها برغبة وشوق دون تكبر وأدوا إليه حقوقه الواجبة عليكم بكمالها وتمامها ولا تتركوا له حجة عليكم في تقصيركم وإهمالكم نحوه . . . ( ثم إن هذا الإسلام دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه واصطنعه على عينه وأصفاه خيرة خلقه وأقام دعائمه على محبته ) بعد أن ذكر التقوى والطاعة ورغب فيهما كما مرّ ذكر الإسلام وهو أيضا من الطاعات بل الاسم الجامع لها لأنه القواعد الفكرية والعملية والعقيدية للإنسان المسلم وقد وصفه بجملة أوصاف . 1 - ( الإسلام دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه ) فهو الدين الوحيد الذي استخلصه اللّه وشرعه ليكون طريقا إلى معرفته وسبيلا إلى طاعته قال تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلامُ . 2 - ( واصطنعه على عينه ) فهو الذي تولى إخراجه بنفسه لشدة اهتمامه به ولكمال