السيد عباس علي الموسوي

373

شرح نهج البلاغة

الثاني : إن من امتنع عن المعصية ودفع عنها يحتاج إلى حمد من وفقه لذلك وهو اللّه والمعنى فيهما يكون بمستوى قولنا : الحمد للهّ على توفيق الطاعة والبعد عن المعصية ، نحمده للأمور التي وفق إليها في الطاعة كما نحمده على الأمور القبيحة التي دفعنا عنها ومنعنا عن ارتكابها . ثم سأل اللّه أن تكون نعمه التي منّ بها علينا أن يتمها ويكملها في الدين والدنيا أو يجعلها متصلة في الدنيا والآخرة كما سأله أن يجعله بدينه وشريعته وقرآنه متمسكا حتى لا يضل أو ينحرف . ( ونشهد أن محمدا عبده ورسوله خاض إلى رضوان اللّه كل غمرة وتجرع فيه كل غصة ) بعد حمد اللّه شهد للنبي بالعبودية للهّ كما شهد له بالرسالة له عند البعثة فإنه تعرض لأعظم الأخطار وأفدحها في سبيل رضا اللّه ، وتحمّل كل مكروه ولم تصف له الحياة لحظة في هذا الطريق . ( وقد تلوّن له الأدنون وتألب عليه الأقصون وخلعت إليه العرب أعنتها وضربت إلى محاربته بطون رواحلها حتى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدار وأسحق المزار ) هذه هي حالة أصحاب الرسالات على امتداد التاريخ ، إنهم يواجهون العالم برسالتهم وأفكارهم ومفاهيمهم وعقائدهم وبكل ما جاءوا به وهنا يتوقف الزمن وتعاد دورة الحياة من جديد . . . هنا في وقت البعثة يتخلى عنه أقرب الناس إليه ، إنهم لا يجتمعون معه على رأي واحد . . . لا يتوحدون تحت فكر النبي القائد بل هذا تشده العصبية لآلهته القديمة . . . وهذا تشده عادات قومه وتقاليدهم . . . وهذا يخاف المحاربة والجوع ولذا تشعبت آراء قريش وتعددت في نبوة رسول اللّه وأما البعيدون عنه الغرباء فإنهم اجتمعوا واتفقوا على محاربته والقضاء على دعوته . ثم ذكر كيف أعلنت العرب الحرب على رسول اللّه لقد أسرعوا بكل ما أوتوا من قوة لقتاله وقد عبّر عن هذا المعنى بأنهم قد نزعوا كل الضوابط التي كانت تحكمهم في إعلان الحرب . لقد ضربوا بطون دوابهم لقتاله ، لقد جاءوا ركبانا وفرسانا حتى خاضوا معه غمار الحرب من أبعد الأماكن وأعمق المحلات . . . جاءوا إليه من كل فج عميق يريدون القضاء عليه وعلى رسالته ونظرة واحدة إلى زمن بعثة رسول اللّه وإلى سيرته في مكة وهجرته إلى المدينة ثم إلى حروبه يكشف كل ذلك بوضوح كيف اجتمع العرب والتقوا من كل أطراف الجزيرة لقتال النبي واستئصال شأفته . . .