السيد عباس علي الموسوي
360
شرح نهج البلاغة
المجرمين فيجتنب القارئ كل معصية وكل ذنب . ( فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا وتطلعت نفوسهم إليها شوقا وظنوا أنها نصب أعينهم ) إذا مروا بآية كقوله تعالى : ( 1 ) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طعَمْهُُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ . . . فإنهم إذا مروا بمثل هذه الآية التي فيها تشويق إلى الجنة سكنوا وهدأوا وطمعوا أن يكونوا من أهلها ومن مصاديقها واستشرفت نفوسهم إليها حبا وفرحا وانتظارا لها وظنوا أي تيقنوا إنها قريبة منهم وفي متناول أيديهم فيخفوا للعمل من أجلها . . . ( وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ) فإذا كانوا في آية الرحمة والجنة يتشوقون ويندفعون بسرور وفرح وإذا مروا بآية فيها تخويف كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللّهِ شَدِيدٌ إذا قرءوا هذه الآية أنشدت اسماعهم إليها وأخذوا يرددونها مرة أثر أخرى فترتجف قلوبهم وتضطرب أعصابهم وراحوا في حالة نفسية عظيمة ذهبوا معها إلى مستوى كأنهم يسمعون زفير جهنم وشهيقها ، صوتها واضطرامها ولهبها في أسماعهم . . فكأنهم يسمعون صوت جهنم فيأخذهم الخوف والفزع ويبادرون إلى ما يجنبهم دخولها وما يبعدهم عنها . . . ( فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم ) بيّن وضعهم في حال صلاتهم إنهم راكعون في حال صلاتهم يحنون وسطهم وقد جعلوا مساجدهم السبعة - الجبهة والكفين والركبتين وطرفي الإبهامين من الرجلين - فهذه أصبحت لهم فراشا بدل فراشهم الذي يأوون إليه ويستريحون فيه . . . إنهم يطلبون من اللّه تعالى أن يعتق رقابهم من النار ويحررها من حرّ جهنم وعذابها فلا تمسهم بلهبها هكذا يكون ليل الأتقياء تسبيح فريد ، وصورة يتيمة لم تشفع بمثيل . . . ( وأما النهار فحلماء علماء ، ابرار أتقياء قد براهم الخوف برى القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ويقول لقد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم )
--> ( 1 ) سورة محمد ، آية - 15 .