السيد عباس علي الموسوي

361

شرح نهج البلاغة

وأما مسيرة هؤلاء الأتقياء في النهار فإنها أيضا فريدة تختلف عن مسيرة الناس وحركاتهم وما يجري لهم . . . إنهم حلماء لا يجهلون على أحد ولا يغضبون من أحد أو لأحد إلا إذا كان للهّ وفي سبيل اللّه . إنهم علماء في تعليم الناس وهدايتهم وإرشاهم ، في رزانتهم ورصانتهم وغيرتهم على الدين . . . إنهم أبرار أتقياء ، مخلصون أوفياء أمناء أولياء إنهم من خوفهم من النار وعذابها وسوء مصير المذنبين وعاقبة المتمردين والعصاة قد براهم الخوف بري القداح أي نحت السهام في نحافتها ودقتها فإن المهموم الخائف الذي استولى الهم على قلبه وعقله وملك عليه شؤونه وكل توجهه فإنه يعزف عن الغذاء والطعام وعن الملذات والمسرات ولا يعود يشغل باله شيء فيضعف ويرق ويخف . . . ينظر إليهم من لا يعرفهم وهم بهذه الصورة فيذهب به الظن لعدم معرفته بهم على وجه الحقيقة إلى أنهم مرضى قد أضناهم المرض واستولى عليهم الداء ولكن في الحقيقة والواقع لا مرض ولا داء وإنما همّ الآخرة أضمرهم وأنحل أجسادهم . وكذلك من سمع حديثهم الإلهي وتعلقهم باللهّ وما هم فيه من ذكر وتسبيح وما يذهبون إليه من شوق إلى الجنة وخوف من النار يقول أنهم مجانين أصيبوا بعقولهم ولكن الحقيقة لم يصابوا بالجنون وإنما أصيبوا بصحة التوجه نحو الآخرة فهي التي شغلت عقولهم وأخذت عليهم كل توجهاتهم وإننا قد رأينا بعض هؤلاء وسمعنا من بعض الناس في حقهم مثل هذه المقالة ، والناس هم الناس قديما وحديثا ، فيهم الأتقياء وفيهم الأشقياء . . . ( لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير ) إذا قلّت أعمالهم الصالحة لا يرتضون بها ويرون أنفسهم مقصّرين وإذا أكثروا من الأعمال الصالحة لا يرونها كثيرة فيزهدوا عندها ويتوقفوا عن العمل بل تبقى حركتهم في زيادة ونمو كلما ازدادت الحسنات ازداد الجد والعمل والمثابرة وهذا دأب الأتقياء لمعرفتهم بأجر الأعمال الصالحة والثواب عليها . . . ( فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون ) مهما عملوا من الأعمال الصالحة ومهما أكثروا منها ومن الخيرات والأفعال الطيبة فإنهم ينسبون إلى أنفسهم التقصير . وكذلك مهما عملوا فإنهم يخافون أن لا تقبل أعمالهم فتراهم في خوف من هذه الجهة . . .