السيد عباس علي الموسوي

340

شرح نهج البلاغة

النعمة فإنه سبحانه قد امتن على هذه الأمة الإسلامية بهذه الألفة التي هي رابطة الوصل وحبل الجمع وقد جمع الإسلام المسلمين ووحد كلمتهم على طاعته فهم في بحره يسبحون وتحت لوائه يجتمعون إنه سبحانه وتعالى قد امتن عليهم بقوله تعالى : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ وقوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بنِعِمْتَهِِ إِخْواناً فإن هذه الألفة أرجح من كل شيء يبذل في مقابلها وأجلّ من كل شيء رفيع وشريف لأن بهذه الألفة يتحقق كل عز وشرف ومقام رفيع . . . ( واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا وبعد الموالاة أحزابا ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه ) وهذا توبيخ لهم ولما صاروا إليه . . . إنه ذم وإهانة أن يعودوا بعد الهجرة إلى رسول اللّه والتفقه على يديه وأخذ معالم الدين عنه أن يعودوا بعد هذه الهجرة أعرابا من أجلاف البادية وقساتها لا يتمسكون بدين ولا يتفقهون بأحكام سيد المرسلين وقد ذم اللّه الأعراب بقوله : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللّهُ عَلى رسَوُلهِِ . . . . وكذلك يعودون بعد الاتفاق فيما بينهم والتناصر والمحبة والألفة يعودون فرقا وأشتاتا ما بين ناكث وقاسط ومارق ومنافق . . . إنهم أحزاب وتجمعات كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ لا يعرفون من الإسلام إلا الاسم فهو عندهم شعار يرفعونه وأنشودة يرددونها دون أن يعرفوا المضمون . . . إنهم يكتفون من الإيمان بهذه اللفظة وينسبونها لأنفسهم دون أن يكون لهم من مضمونها وحقيقتها أقل شيء . . . ( تقولون : النار ولا العار كأنكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه ونقضا لميثاقه الذي وضعه اللّه لكم حرما في أرضه وأمنا بين خلقه ) وهذه من جملة ما وبخهم به شعارهم « النار ولا العار » شعار جاهلي يقوله أهل الحمية والأنفة الذين يريدون إثارة شعور قبائلهم واستنهاضهم على القتال وقد شبههم في حالهم وقولهم ذلك بمن يقصد أن يقلب الإسلام على وجهه ويبطل أحكامه فهم في فعلهم يتحدّون مع الكفار الذين يريدون أن يبطلوا أحكام الإسلام ويفسدوه ويصبح كالإناء الذي إذا انقلب فسد ما فيه وبطل الانتفاع فيه . إنه تجاوز للمرسوم وتعد على ما لا يجوز التعدي عليه . . . إنه خروج عن العهود التي أعطيتموها للهّ ولرسوله في حفظ الإسلام الذي وضعه اللّه لكم يحفظ وجودكم ولا يتعدى أحد على أحد من الناس فهو الأمان وبه الأمان من كل ظلم وعدوان . . . ( وإنكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ثم لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا