السيد عباس علي الموسوي

23

شرح نهج البلاغة

وحذرهم من قرب الموت إنه في يوم غد وما أقرب الغد من اليوم وإذا كان الغد قريب وجب على المرء أن يسعى له ويهيى ء العدة التي بها ينجو من مخاوفه وعذابه وما فيه من وحشة ووحدة . . . ( يذهب اليوم بما فيه ويجيء الغد لاحقا به فكأن كل امرى ء منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته ومخظ حفرته فيا له من بيت وحدة ومنزل وحشة ومفرد غربة ) يذهب اليوم بما فيه من خير وشر ولن يرجع إلينا فيجب أن يستفيد الإنسان منه للغد ويتزود للأيام الصعبة وبعد اليوم يجيء الغد لاحقا باليوم فكذلك يجب أن نكون على أهبة الاستعداد له . . . وفي يوم غد وهو وقت الموت ينزل الإنسان عن عرشه إلى القبر . . . إنه منزل الوحدة فليس معه أحد . . . وإنه حفرة يختطها ويحفرها الحافر للقبور . . . ثم عظّم هذا البيت الذي ينفرد فيه الإنسان . . . يا له من بيت رهيب مخوف حيث يتخلى الأحباب فيه عن أحبتهم ويتركونهم وحدهم . . . إنه منزل وحشة وأي وحشة أعظم من إنسان يسكن تحت أطباق الثرى لا أنيس ولا جليس ولا حركة ، إنه مفرد غربة ينفرد الإنسان فيه في غربة حقيقية . . . ( وكأن الصيحة قد أتتكم والساعة قد غشيتكم وبرزتم لفصل القضاء قد زاحت عنكم الأباطيل واضمحلت عنكم العلل واستحقت بكم الحقائق وصدرت بكم الأمور مصادرها فاتعظوا بالعبر واعتبروا بالغير وانتفعوا بالنذر ) حذّر الناس من يوم القيامة ومقدماته من الصيحة ونفخ الصور فذكر الصيحة وقربها وكأنها قد أوشكت أن تقع وكذلك الساعة وهي يوم القيامة وقد حلّت بساحتكم وعندها يخرج الناس للحساب فتنتصب الموازين وتعقد المحكمة العادلة التي يفصل فيها الخصومات فيقتص من الظالم للمظلوم وعندها تدحض الحجج المزيفة وتبطل الأدلة الفاسدة وتتلاشى كل المعاذير التي على أساسها سلبتم أموال الناس وكرامتهم وعزتهم . وفي يوم القيامة ستقع الحقائق على أصولها . . . سترونها حقيقة حقيقة . . . كل قضية تأتي كفلق الصبح بشهودها وبيناتها لا تخفى ولا تستتر . . . كما أن الأمور ستأخذكم إلى مجاريها الطبيعية وستأخذون ثمرة أعمالكم ونتيجة جهودكم وأتعابكم . وفي النهاية أمرهم أن يأخذوا العظة وما فيه مزدجر لهم بما جرى على غيرهم ويعتبروا بتقلبات الزمان ومتغيراته وينتفعوا بما جاء على ألسنة الأنبياء فيتبعدوا عن المعصية ويقتربوا من الطاعة . . .