السيد عباس علي الموسوي
154
شرح نهج البلاغة
الجور هواهما والاعوجاج رأيهما . وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل والعمل بالحق سوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم ) هذا الكلام منه عليه السلام موجّه إلى الناس مبينا فيه دور الحكمين وما أخذ عليهما في التحكيم وقد كان المحكّمة قد اتفق رأيهم على أن يقبلوا بالتحكيم وقالوا للإمام إما أن تقبل أو نقتلك كما قتلنا عثمان فقام الإمام بتوضيح الأمر لهم وبيان غدر معاوية وخدعه فلم يتنبهوا له ولم يستجيبوا لصوته الداعي إلى إكمال المعركة حتى نهايتها وفي النهاية أجبروه على التحكيم وليتهم إذا خدعوا في أصل التحكيم أن يتركوا له حرية اختيار الحكم الذي يفاوض من جانبه فقد اختار ابن عباس فرفض جماعتهم ذلك وقالوا : لا نبالي كنت أنت أم ابن عباس . . فأشار عليهم بالأشتر فرفضوا وقالوا : وهل سعّر علينا الأرض إلا الأشتر فألزموه بأبي موسى الأشعري الذي خذل الناس عنه في الكوفة عندما بعث الإمام إلى أهلها يدعوهم إلى ملاقاته لحرب أصحاب الجمل . . وقال الإمام كلمته : « لقد جاؤني بأبي موسى مبرنسا » فقد فرضوه وهو ليس عنده برضى . ولما رأى الإمام أن القوم أجمعت كلمتهم على أن يختاروا الحكمين عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري أخذ عليهما أمرا واشترط عليهما شرطا وهو أن يقفا عند القرآن ويحبسا أنفسهما عليه ولا يتعدياه فتكون ألسنتهما معه وقلوبهما تابعة له . . يحلّلان ما أحلّ ويحرمان ما حرم وقد كانت مهزلة تاريخية تحولت إلى سبّة عليهما فقد اتفقا على خلع الإمام ومعاوية وقد كان عمرو يخبّى ء في نفسه أمرا حتى قدّم أبا موسى فخلعهما معا وقام عمرو فخلع عليا وأثبت معاوية ودارت الشتائم فرمى أبو موسى عمروا بأن مثله مثل الكلب وقام عمرو فرمى أبا موسى « بأن مثله مثل الحمار » وبين الكلب والحمار ضاعت الأمة وتشتت أمرها وتفرق جمعها . . . والإمام بعد أن يشترط عليهما العمل بالكتاب والسنة وأن لا يتعديا عنهما وكان من أمرهما ما كان قال للناس : أنهما قد ضلا وتركا الحق وهما على علم به فإن من حقهما أن يدعوا معاوية إلى الطاعة والالتزام بالجماعة وأن يبايع للخليفة الشرعي الذي انعقدت له الولاية باتفاق أهل الحل والعقد الذين بايعوا من تقدمه من الخلفاء . . . ولكنهما عدلا عن الحق وظلما وعلى كل حال لقد سبق شرطنا الذي شرطناه حكمهما الذي حكما به فقد اشترط عليهما الحكم بالعدل والعمل بالحق ولكنهما لم يعملا فسقط حكمهما لأنه كان مشروطا بما أخذنا عليهما من الشرط . . . ومن هنا بأيدينا وثيقة واضحة تدعمنا وتقوّي موقفنا في رد ما حكما وخالفا فيه الحق وما أتيا من حكم معكوس جائر لا يتفق وما اشترطنا عليهما . . .