السيد عباس علي الموسوي

149

شرح نهج البلاغة

تحرّم حلالا لأنها ساقطة عن الاعتبار غير معتد بها ويبقى الحلال ما أحله اللّه والحرام ما حرمه اللّه . . . ( فقد جربتم الأمور وضرستموها ووعظتم بمن كان قبلكم وضربت الأمثال لكم ودعيتم إلى الأمر الواضح فلا يصم عن ذلك إلا أصم ولا يعمى عن ذلك إلا أعمى ) بعد أن بيّن أن الحلال ما أحله اللّه والحرام ما حرمه اللّه قال لهم إنكم اختبرتم الأمور وأحكمتم معرفتها جيدا وعرفتم موارد الحلال والحرام وما يجوز وما لا يجوز ووعظتم بمن كان قبلكم من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا وانحرفوا بالنص حسب مصالحهم وما يخدم اغراضهم وكيف أن اللّه أخذ المبتدعين الضالين وقد ضرب اللّه لكم الأمثال من أخذه لهم وأنتم الان دعيتم إلى الأمر الواضح وهي الأحكام الشرعية المنصوصة التي لا غبار عليها بدون قياس ولا رأى ولا استحسان وبعد هذا كله فلا يعمى إلا أعمى على الحقيقة ولا يصم إلا الأصم على الحقيقة فالجاهل المطلق الذي يستحق هذا الاسم هو الذي لا ينظر إلى هذه الأمور ولا يستمع الحقائق . . . ( ومن لم ينفعه اللّه بالبلاء والتجارب لم ينتفع بشيء من العظة وأتاه التقصير من أمامه حتى يعرف ما انكر وينكر ما عرف وإنما الناس رجلان متبع شرعة ومبتدع بدعة ليس معه من اللّه سبحانه برهان سنة ولا ضياء حجة ) من لم ينتفع بما يمر عليه من المصائب والأحداث وما يعيشه من القضايا والأمور ويجربه من الأشياء لم ينتفع بالموعظة القولية التي تروى له وتنقل إليه لأن الأولى أشد تأثيرا من الثانية لكونها تمسه بالذات وتمر عليه مباشرة . ومثل هذا الإنسان الذي لم يستفد من تجربته الشخصية يأتيه التقصير من بين يديه من الأمور التي يعرفها فكيف بالأمور التي لم يعرفها ولم يجربها وعندها تتبدل قضاياه وتختلط الأمور في نظره فيتخيل أن ما أنكره قد عرفه وما عرفه قد أنكره وهذا إشارة إلى غاية النقصان فإنه يكون قد حكم على غير بصيرة فيتخيل أن ما أنكره وجهله أنه عارف بحقيقته وتارة ينكر ما كان يعرفه ويحكم بصحته . . . ثم قسم الناس وحصرهم في رجلين . 1 - رجل متبع شرعة أي يسير خلف الشرع والدين فما جاء عن اللّه وعن رسوله يأخذ به ويتبعه دون أن يزيد فيه أو ينقص منه . 2 - ورجل مبتدع بدعة : قد أحدث في الدين ما ليس فيه وأدخل فيه ما هو خارج منه بدون حجة ولا دليل بل اختلقه من عنده واستحسنه من ذاته كأصحاب القياس