السيد عباس علي الموسوي
127
شرح نهج البلاغة
بقلوبكم عنها أي لتزهد فيها قلوبكم ولا ترغب في شيء منها على وجه الحقيقة وبهذا الزهد القلبي تنقطع علاقة الإنسان بها ويتوجه عندها إلى الآخرة ثم نهاهم أن يبكوا على شيء منها بكاء الذلة والضعة كما تبكي الأمة بصوت مختنق إذا نالها أذى أو ضر فإن هذه الدنيا إذا فات منها شيء يجب أن يبقى الإنسان على تجمله وثقته باللهّ ويتذكر أنها لن تبقى له ولا يبقى لها أما أن ينزوي على شيء فاته منها ويأخذه التوجع والتألم فهذا ما يتنافى والتوجه إلى اللّه والثقة به ثم بعد أن نهاهم عن البكاء على الدنيا أمرهم بالصبر على طاعة اللّه المتمثلة بأوامره ونواهيه فيقوم بالأولى ويترك الثانية وبهذا يتم اللّه نعمته عليهم في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فالعز والسعادة وأما في الأخرى فالجنة ونعيمها . وكذلك أمرهم بالمحافظة على ما ورد في الكتاب الكريم من الأمر بالمحافظة عليه فإن ذلك موجب لإتمام النعمة واسباغها وكمالها على الإنسان . ( ألا وإنه لا يضركم تضييع شيء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم . ألا وإنه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شيء حافظتم عليه من أمر دنياكم أخذ اللّه بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر ) أمر بالمحافظة على الدين وإنه الأساس الذي يجب على الإنسان حفظه والدفاع عنه وعدم التفريط فيه . . إنه محور الحركة وأساس الربح والخسارة ، فلو ربح الإنسان الدنيا لا تنفعه إذا خسر دينه كما إنه إذا ربح دينه فهو أعظم الناس وأكثرهم ربحا وإن خسر الدنيا ، وهذا تحديد للربح الحقيقي والخسارة الحقيقية وميزان صادق توزن به الأرباح والخسائر وعليه يجب على كل منا أن يفكر فيه وأن يسعى في سبيل اعزاز الدين وتقويته وأن يكون هو الحاكم في الحياة وفي كل مجالاتها وتعدد سبلها . . . يجب أن يفتش الإنسان في كل زاوية من زوايا المجتمع فيحكّم الدين فيها ولا يجوز بحال أن يعزل هذا الدين على الحكم والإدارة وتدبير شؤون الناس . . . إنها وصية بهذا الدين الذي ضحى من أجله النبي وعترته والأئمة الهداة من أهل بيته وبذلوا أنفسهم في سبيله وتركوا الحياة الدنيا وما فيها من أجله ، هذا الدين يجب أن يكون هو المحور الذي يسعى الإنسان حوله ويعمل له ويبحث عما يعززه ويقويهّ . . . وختم خطبته أخيرا بالدعاء أن يأخذ اللّه بقلوبنا جميعا إلى الحق فيهدينا إليه لنعمل به وأن يلهمنا جميعا الصبر فنصبر على طاعته كما نصبر عن معصيته . . .