السيد عباس علي الموسوي
88
شرح نهج البلاغة
( ومنهم من هو في خلق الغمام الدلح ، وفي عظم الجبال الشمخ ، وفي قترة الظلام الأيهم ) . بعد أن ذكر بعض أوصاف الملائكة الذين يسكنون السماء أخذ في ذكر أصناف الملائكة فذكر جملة : . فمنهم : هذا صنف من الملائكة يمتلك صورة الغيوم المثقلة بالماء والغيوم الممطرة لها شكل معروف كغيوم الشتاء عكس سحابة الصيف الناشفة التي ليس فيها ماء . ومنهم : من يملك صورة الجبال العظيمة الشامخة التي ترتفع في عنان السماء فيهول منظرها لعلوها وضخامتها . ومنهم : صنف ثالث أسود شديد الظلام يرعب الناظر إليه . ( ومنهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية ) . وهذا صنف من الملائكة يصورهم الإمام في هذه الضخامة العجيبة بحيث وهم في السماء تخرق أقدامهم الأرض السفلى فتصبح كالرايات البيضاء لا يصدها إلا ريح ساكنة تقف أمامها وتمنعها من التمدد والانبساط . ( قد استفرغتهم أشغال عبادته ) . أخذت عبادة اللّه منهم كل وقتهم فليس عندهم وقت لغيرها . . . ( ووصلت حقائق الإيمان بينهم وبين معرفته ) . فإن الإيمان بوجود اللّه استدعى منهم الوصول إلى معرفته الكاملة الصحيحة بصفاته وأفعاله . . . ( وقطعهم الإيقان به إلى الوله إليه ) . علمهم بوجوده ويقينهم به جعلهم منصرفين إليه عاشقين له متيمين بحبه لا ينظرون إلى غيره بل نظرهم إليه وعشقهم له . . . ( ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره ) . فرغبة الملائكة انحصرت بما عند اللّه من الثواب والأجر ولم ينظروا أبدا إلى ما عند غيره من البشر بل ممن هم أقرب منهم إليه من الملائكة . ( قد ذاقوا حلاوة معرفته وشربوا بالكأس الروية من محتبه وتمكنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته ) . معرفة اللّه قد وقف عليها الملائكة فلم يجدوا أطيب منها وأحسن . لقد فاقت لذتها جميع اللذاذات الأخرى وهذه المعرفة استدعت منهم أن يعيشوا حبه وهواه فيعشقوا كل ما يرغب فيه ويحبه فأخذوا يعشيون حبه . . . كما أن هذه المعرفة التي استدعت الحب له ولما أراد استدعت أيضا الخوف منه