السيد عباس علي الموسوي

50

شرح نهج البلاغة

عباده به فطرة وعرفانا ، فإن النظام العام يحكم بوجود منظم وإن لم نكن نراه كمن يدخل إلى قرية منظمة كأبدع ما يكون ومجهزة بأدق ما تحتاج ولكنه لم يجد المهندس فهو ببساطة متناهية يحكم بوجوده وإن لم يره وهذا المعنى الفطري البسيط أقرب إلى فهم البشر من جميع الأدلة والبراهين وهذا ما عبّرت عنه أحاديث أهل البيت . جاء رجل إلى الإمام أمير المؤمنين فقال له : خبّرني عن اللّه أرأيته حين عبدته . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : لم أك ( 1 ) بالذي أعبد من لم أره . فقال له : كيف رأيته يا أمير المؤمنين . فقال له : يا ويلك لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان ، معروف بالدلالات ، منعوت بالعلامات ، لا يقاس بالناس ولا يدرك بالحواس . فانصرف الرجل وهو يقول : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته . وهذا رجل يأتي ( 2 ) إلى الإمام الصادق فيقول له : أرأيت اللّه حين عبدته . قال الصادق : ما كنت أعبد شيئا لم أره . قال : كيف . قال : لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس معروف بغير تشبيه . ( والخالق من غير رويّة ) . البشر الذين يحكمهم القصور والإمكان ويحتاجون في صنع شيء بسيط إلى وقت وإلى تصميم وإجالة فكرهم بما عندهم من معلومات للحصول على هذا الشيء فهو سبحانه منزه عن ذلك كل شيء حاضر عنده إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون . . . ( الذي لم يزل قائما دائما ) . فهو ثابت الوجود دائم البقاء لا يطرأ عليه تغيير أو تبديل أو تحوير أو تحويل لأنه واجب الوجود الأبدي الأزلي السرمدي . ( إذ لا سماء ذات أبراج ولا حجب ذات ارتاج ) . كان اللّه ولم يكن سماء ذات أبراج وهي منازل الشمس وحركتها وكذلك كان موجودا ولا حجاب بينه وبين غيره إذ لا شيء غيره فهو المتفرد . . .

--> ( 1 ) احتجاج الطبرسي ج 1 ص 209 . ( 2 ) احتجاج الطبرسي ج 2 ص 336 طبعة مؤسسة الأعلمي .