السيد عباس علي الموسوي
51
شرح نهج البلاغة
( ولا ليل داج ولا بحر ساج ) . وكذلك كان ولم يكن ليل مظلم داكن ولا بحر ساكن هادي ء فإن هذه كلها حدثت من فيض جوده وكرمه وبقوله كن فكانت . . . ( ولا جبل ذو فجاج ولا فج ذو اعوجاج ) . وكان سبحانه ولم يكن جبل ذو طرق واسعة تشقه ولا طرق معوجّة ملتوية بمعنى أنه كان سبحانه ولم يكن طرق تشق الجبل ولا طرق ملتوية . ( ولا أرض ذات مهاد ولا خلق ذو اعتماد ) . ولم يكن هناك أرض مبسوطة قابلة للحياة والراحة ولم يكن بشر ذو بطش وقوة وبعبارة أخرى يريد عليه السلام أن اللّه كان موجودا قبل حدوث هذه الأشياء التي وجدت بعدم العدم بقدرته تعالى وكرمه وفيض وجوده تدليلا على عظمة اللّه وصغر هذه المخلوقات في جانبه . . . ( ذلك مبتدع الخلق ووارثه ) . من وصفناه بهذه الأوصاف هو اللّه خالق الخلق من العدم ومن اللاشيء وبقوله كن فكانت . ثم إنه الباقي بعد فناء الأشياء ولا يبقى غيره ، كل شيء هالك إلا وجهه . . . ( وإله الخلق ورازقه ) . فهو الخالق للخلق ورازقهم تنبيه لهم إلى وجوب الإيمان به والاعتماد عليه في الرزق والعطاء . ( والشمس والقمر دائبان في مرضاته يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ) . نبهّ عليه السلام على هاتين الآيتين حيث تمران على الناس في كل يوم ولكثرة تكرارهما فقد الإنسان الإحساس بهما ومالهما من أدوار وما يتركا من آثار . فهما آيتان من آيات اللّه الدالتان على قدرته . . إنهما يسيران كما هو مرسوم لهما بإرادة اللّه التكوينية لا يختلفان ولا يتخلفان . . . وهما يفنيان كل جديد لأن حركتهما تأتي على عمر هذا الموجود الذي لم يكتب له الدوام والبقاء طيلة الحياة وكذلك يقربان كل بعيد في نظر هذا الإنسان فربما كان يشير بذلك إلى يوم القيامة حيث يراه بعض الناس بعيدا فإن حركة الشمس والقمر تقربانه من هذا الإنسان وهذا كله تحريك لهذا الإنسان لكي يفكر في الحياة وما فيها وإنه لا شيء فيها يدوم وإنه لا بد من يوم يجزى فيه المرء بعمله . . . ( قسم أرزاقهم ) . فهو الذي وزّع الأرزاق حسب المصالح ولحكمة يعلمها قال تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . وإذا كان اللّه هو الذي قسم أرزاق العباد فلا يجب على العبد إلا أن يطرق الأبواب كما أراد اللّه ويجب عليه أن يسعى كما