السيد عباس علي الموسوي
41
شرح نهج البلاغة
على نحو الإلزام أو الاستحباب كان معروفا شرعيا وما نهى عنه الشرع على نحو الحرمة أو الكراهة فهو منكر شرعا وعلى هذا الميزان تعرض الأمور والأعمال ويدخل تحت كل صنف ما يناسبه ولكن هؤلاء القوم خالفوا الميزان فأضحى المعروف عندهم ما رأوه بنظرهم وما ذهبوا إليه بحسب مصالحهم ومنافعهم وليس ما عليه الشرع والدين وكذلك المنكر ما رأوه منكرا بحسب قياسهم أو استحسانهم حكموا عليه بالمنكر وإن خالف الشرع والعرف وهذا النموذج من الناس نجد له كثرة كثيرة في مجتمعنا اليوم فالسفور في نظر الشرع منكر نرى النساء يحكمن بحسن ذلك ونرى الرجال يذهبون أيضا إلى هذا ويدعون النساء إلى السفور والمجتمع يقوم على الربا فترى المعاملات الربوية منتشرة في كل مكان ومع أن هذا منكر شرعا يذهب كثير من أصحاب الألقاب الفخمة إلى استحسان ذلك وتبريره اقتصاديا وهكذا دواليك . . . ( مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم ) . فكل أمر شديد صعب يعسر حله يعودون في حله وفك سره إلى أنفسهم وكأنهم من الأنبياء الذين يتنزل عليهم الوحي وتأتيهم أخبار السماء بالحقيقة الصافية وهذا طريق الضلال والانحراف والغرور والكبرياء حيث يظنون بأنفسهم القدرة على حل كل مشكلة مع أن العقلاء يرجعون في الشدائد إلى أربابها وأهلها ممن أعطاهم اللّه القدرة والحكمة وهم الأنبياء والأئمة الهداة . . . ( وتعويلهم في المهمات على آرائهم كأن كل امرى ء منهم إمام نفسه قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات وأسباب محكمات ) . وكذلك من سفههم وشطط الفكر عندهم أنهم يعتمدون على آرائهم وما عندهم من قليل الرأي وضئيل الفكر ثم علل ما ذهبوا إليه واعتمدوا عليه استهزاء بهم واحتقارا لهم وبيانا لفشل ما استندوا عليه . . . إن كل رجل منهم كأنه إمام نفسه ليس له إمام يرجع إليه أو يقتدي به ويسمع قوله وقد أخذ من نفسه بأوثق الأسباب الناجية وبالطرق الصحيحة الصائبة التي لا تحتمل الخطأ أو الغلط . وبعبارة أخرى إنهم لجهلهم غرتهم أنفسهم فظنوا أنها كاملة صافية تقودهم فيما يرتئون إلى النجاة والفوز ، وهذا منهم خطأ وغرور . . .