السيد عباس علي الموسوي

39

شرح نهج البلاغة

تنكر لهم ورفض استقبالهم وهذا إذلال لهم في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأكبر وقد مرّ في التاريخ نماذج كثيرة من هذا النوع وهؤلاء هم أصحاب التيجان والأمراء والحكام الذين تمردوا على اللّه نسمع بأخبارهم ونقرأ عنهم هذا فرعون والنمرود وقارون وغيرهم . . . وفي مقابل هذا الكسر لم يجبر عظم أحد من الأمم ويجعلها أمة عزيزة بعد ذل وقوية بعد ضعف وفي مقدمة البشرية بعد أن كانت في الذيل لم يجعلها أمة تتسلم مقاليد الأمور ومصيرها ومصير غيرها إلا بعد شدة وضيق مرت بها فحاربت أعداءها وتألمت ومستها البأساء والضراء حتى انتصرت ومن أقوى الشواهد على هذا حال المسلمين زمن رسول اللّه كيف كانوا مستضعفين يخافون أن يتخطفوا من أرضهم ولكن ببركة رسول اللّه واجتماع المسلمين تحت قيادته وإطاعة أمره استطاعوا أن يكونوا أقوى الأمم وأعزها . ( وفي دون ما استقبلتم من عتب وما استدبرتم من خطب معتبر ) . ذكرهم بما لا قوه من المتخلفين عنه من أهل الجمل وأصحابهم الذين نقموا منه العدل والإنصاف وبما مر عليهم قديما زمن رسول اللّه وما لاقوه من الشدائد والمحن من الأعداء ذكرهم بما مرّ عليهم وما استقبلهم وأمرهم أن يتعظوا به ويعتبروا . . . يفكروا في الوحدة وفوائدها وفي الفرقة ومضارها . . ينظروا إلى آثار الالتزام فيبادروا إليه وينظروا إلى سيئات التمرد فيقلعوا عنه . . . ( وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ناظر ببصير ) . أراد أن يحثهم على التفكير وعلى الاعتبار والاتعاظ وأن لا يكونوا ممن يملكون القلب شكلا ويعطلون حركته وفاعليته ويمنعونه من ممارسة دوره واقعا ومضمونا فإن أصحاب القلوب ليسوا كلهم يفكرون ويحللون الأمور ويصلون إلى الحقيقة كما أن من يملك السمع والبصر ليس كل واحد منهم يملك الاعتبار والعظة من خلال ما يرى ويسمع . ( فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها ) . تعجب واستغرب ثم أجاب عما منه تعجب ، إنه أجاب عن تعجبه بشكل إجمالي عام ، وهو أن هذه الفرق على تعددها واختلافها تشترك في الخطأ ، فإنها كلها تدعي أنها تمتلك أدلة وحججا على ما تذهب إليه كما أن كل واحدة تدّعي لنفسها الحق فيما تذهب إليه بل تحصره فيها وتخطى ء غيرها وتنعي عليه حاله ومآله وترميه بالخطأ والشطط ثم أراد أن يفصل الجواب وكيف أن جميع الفرق مخطئة منحرفة . ( لا يقتصون أثر نبي ) . فهذا أول انحراف من هذه الفرق وأول خطأ منها إنها لم