السيد عباس علي الموسوي

24

شرح نهج البلاغة

( فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى ) انكشفت الأمور أمامه واتضحت معالمها عنده فرأى الحقيقة واضحة جلية وخرج من بين أهل الهوى ولم يبق معهم في ضلالهم وسوء رأيهم وانحرافهم . . . ( وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى ) صار داعية إلى اللّه يهدي الناس إلى الخير ويرشدهم إلى الحق ويأخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم . وكذلك أضحى يرد الشبهات عن الناس ويحل المعضلات ويزيل من طريقهم كل ما يشككهم بدينهم أو يزلزل عقيدتهم ويحرفهم عن العدل والاستقامة . . . ( قد أبصر طريقه وسلك سبيله ) رأى السبيل الذي يجب أن يكون عليه ، رآه واضحا ظاهرا إنه منه كضوء الشمس عرفه صحيحا سليما لم يتردد فيه أو يشك في صحته وأيضا لم يكتف برؤية الطريق بل سلك السبيل الذي يجب عليه أن يسلكه والذي يتعين عليه أن يطرقه فقرن النظرية بالتطبيق والإيمان بالعمل . . . ( وعرف مناره وقطع غماره ) فهناك هدف أعلى متوجه إليه يهديه إلى الحق إنه النبي والأئمة الذين يشكلون منارات على الهدف فيهدون التائهين ويردون الضالين كما إنه قد تجاوز ما يلهي أبناء الدنيا ويشغلهم عن اللّه ويغمرهم من ملاذها ومشتهياتها . . . ( واستمسك من العرى بأوثقها ) فمن تمسك بالعروة القوية المتينة نجا كذلك من استمسك بالإيمان باللهّ والعمل بما أمر فقد استمسك بأشد العرى وأمتنها وأقواها وأعظمها قال تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ باِللهِّ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها . . . . . . ( ومن الحبال بأمتنها ) ومن كان له حبل قوي متين اعتمد عليه في نزوله إلى مكان منخفض أو صعوده إلى مكان عال كان في مأمن من الخطر لا يصيبه خوف ولا فزع وكذلك من التزم بالإسلام واعتمد على القرآن ونفذ أوامر اللّه فهو في راحة واطمئنان . . . ( فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس ) فكما يرى الشمس واضحة ظاهرة فاليقين في نفسه كذلك فهو ثابت مستقر آمن باللهّ بدون شك وعمل بما أمر بدون تردد . . . ( قد نصب نفسه للهّ - سبحانه - في أرفع الأمور من إصدار كل وارد عليه وتصيير كل فرع إلى أصله ) بعد أن كملت نفسه واستطاع أن يحملها على الحق جلس في أرفع المجالس وأعظمها وهي الفتوى التي يردّ بها على أسئلة الناس وحاجاتهم وكان لمعرفته بالأحكام وطرق الاجتهاد يرجع الفروع إلى الأصول على طريقة أهل الاجتهاد .