السيد عباس علي الموسوي

13

شرح نهج البلاغة

بدون غاية بل خلقه من أجل أن يتكامل ويتسامى ويترقى حتى يبلغ القمة في الكمال كما وإنه لم يتركنا بدون تنظيم وترتيب وإنما نظمنا ورتب أمورنا ، إنه وضع برنامجا حياتيا لهذا الإنسان منذ تكوينه وإلى أن تنقضي حياته . . . ( ولم يدعكم في جهالة ولا عمى ) لم يتركنا في ضلال وحيرة دون رؤية نافذة ونظرة ثاقبة وحجة ظاهرة وإنما زودنا بالعقل كما أرسل لنا الأنبياء هداة مبشرين ومنذرين قد أوضحوا لنا الطريق وبينوا لنا سبل العدل والحق . . . ( قد سمى آثاركم وعلم أعمالكم وكتب آجالكم ) قد بين لكم أعمالكم خيرها وشرها فرغبكم في الأولى ونهاكم عن الثانية وعلم ما تعملون من خير وشر وكتب أعماركم ومدتها من جهة طولها وقصرها وما فيها من سعادة أو شقاء . . . ( وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شيء ) فاللهّ أنزل القرآن فيه عناوين الأشياء وقواعدها العامة التي عنها تتفرع الأحكام ومنها تؤخذ ، في القرآن أوضحت الأمور ولم يبق شيء مغلق أو غير ظاهر . . . ( وعمر فيكم نبيه أزمانا حتى أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه دينه الذي رضي لنفسه ) يذكّر هذا الإنسان بمنة اللّه عليه إنه سبحانه كتب لنبيه المصطفى عمرا عاش فيه بين أظهر المسلمين حتى اكتمل نزول القرآن عليه وبذلك اكتمل الدين وتمت النعمة كما قال تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . . . ( وأنهى إليكم - على لسانه - محابه من الأعمال ومكارهه ونواهيه وأوامره ) وهذه مهمة النبي ودوره من حيث أنه المبين لمراد اللّه والشارح لكتابه فإنه صلوات اللّه عليه جعل اللّه كلامه حجة فقال : ( ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا . . . ) وبهذا جعل قول الرسول وفعله وتقريره على مستوى القرآن في الحجية والقبول ، لا يرفضه مسلم ولا يرد عليه مؤمن ومن صدر منه شيء من ذلك فليراجع قواعده ويصحح إيمانه والرسول قد أوضح ما يحب اللّه وما يكره فأمر بالخيرات ونهى عن السيئات كما أوضح نواهي اللّه وأوامره فقد نهى عن الزنا والسرقة والتمرد وأمر بالعفة والأمانة والطاعة . . . ( وألقى إليكم المعذرة واتخذ عليكم الحجة ) أبلغكم معذرته فيما إذا عاقبكم لأنه لا يكون منه عقاب إلا بعد البيان وإيصاله إلى المكلفين كما إنه سبحانه جعل لنفسه الحجة عليهم فيما أتاهم وبلغهم من حيث حكمته وإرساله لهم الأنبياء والرسل . . .