السيد عباس علي الموسوي
14
شرح نهج البلاغة
( وقدم إليكم بالوعيد وأنذركم بين يدي عذاب شديد ) قبل العقاب والأخذ بالعذاب هدّد المكلفين وخوفهم عصيانه ثم أنذرهم بأن أمامهم عذاب شديد إن تمردوا وعصوا وخالفوا أمره . . . ( فاستدركوا بقية أيامكم واصبروا لها أنفسكم فإنها قليل في كثير الأيام التي تكون منكم فيها الغفلة والتشاغل عن الموعظة ) انظروا إلى ما بقي من أعماركم وتداركوا ما فاتكم من الخيرات في أيامكم الماضية فإذا كان الإنسان قد قصّر فيما مضى من عمره فيجب أن يتدارك ذلك ويجبره فيما بقي منه وليأخذ الصبر مطيته على ما سيقوم به ويعمله فإن أيام اليقظة والعمل قليلة بالنسبة إلى أيام الغفلة ونسيان الأعمال وارتكاب المعاصي إما لأن أيام الغفلة والمعصية أكبر على وجه الحقيقة وإما لأنها مفسدة للنفس ولفسادها كانت أكبر . . . ( ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمة ) لا تجعلوا لأنفسكم رخصة في ارتكاب بعض الأمور المكروهة أو الصغائر فإنها تجركم إلى الانحراف وتدخلون مع الظالمين في انحرافهم ومعصيتهم فإن النفس وما تعودت وإذا اعتادت اجترأت وانحرفت . . . ( ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المعصية ) لا تنافقوا على أنفسكم وتظهروا خلاف ما تضمرون فإن ذلك يصبح عادة ويجر على المعصية لأنه يصبح قاعدة عامة عندها ينحرف بها عن الاستقامة والنزاهة . . . ( عباد اللّه إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه وإن أغشهم لنفسه أعصاهم لربه ) وهذه نصائح ومواعظ بها يتحرك الإنسان نحو منافعه ومصالحه ويجتنب عن مضاره ومفاسده وقد بيّن أن أنصح الناس لنفسه هو ذلك الذي يلتزم أوامر اللّه وطاعته لأن هذه الطاعة تدخله الجنة وهي أقصى ما ينشده الإنسان من السعادة . . وفي مقابلها يكون أغش الناس لنفسه من أدخلها النار بمعصيته للهّ وتمرده على حكمه . . . ( والمغبون من غبن نفسه ) لما كان اللّه قد اشترى من المؤمنين أنفسهم بأن لهم الجنة فمن باع نفسه بغير ذلك فهو الخاسر ويكون هو المخدوع والمغبون وهل هناك أخسر صفقة من إنسان يبيع نفسه ببعض ملذات الدنيا الفانية ولا يبيعها بملذات الآخرة الباقية . . . ( والمغبوط من سلم له دينه ) الذي ترغبه الناس وتحبه وتريد أن تكون مثله هو الذي