السيد عباس علي الموسوي

79

شرح نهج البلاغة

ليلة وقال له ( 1 ) : إني أمرت أن استغفر لأهل البقيع فانطلقا حتى إذا وصلاه قال النبي : ليهنئكم ما أصبحتم فيه قد أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم . ثم قال : قد أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد بها ثم الجنة وخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي فاخترت لقاء ربي ثم أستغفر لأهل البقيع وانصرف . ثم ضرب النبي بعثا إلى الشام وأميرهم أسامة بن زيد مولاه وأمره أن يوطيء الخيل تخوم البلقاء والروم من أرض فلسطين وقد أوعب ( 2 ) معه المهاجرون الأولون والأنصار بما فيهم أبو بكر وعمر ومشيخة المسلمين جميعا ، جمعهم كلهم تحت أمرة أسامة الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من العمر وقد طعن المنافقون في قيادته مما استدعى النبي أن يغضب من كلامهم فيزكّي أسامة ويصر على بعثه قائلا : « إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل وأنه لخليق للإمارة وكان أبوه خليقا لها . . » . وقد كان النبي يصر على خروج جيش أسامة ولكن كانوا يتباطئون ويتأخرون حتى وصل به الأمر أن دعا على المتخلفين عنه قائلا « اللهم العن من تخلف عن جيش أسامة » ومع هذا بقي الصحابة في المدينة دون أن يخرجوا . . . بل عادوا إلى بيت النبي فوجدوه في أواخر ساعاته في دار الدنيا وقد وقف على تمردهم إنهم لن ينفذوا جيش أسامة ولن يكون هناك بعث . . إنه صلوات اللّه عليه كان يطلب من وراء إرسال هذا الجيش إبعاده عن المدينة حتى يخلو الجو أمام علي عندما يتوفى النبي فقد وطأ له الأمور وهيأ له كل ما من شأنه أن يوفر له أسباب الوصول إلى الخلافة ولكن القضية كانت تأتي على خلاف ما يرسم النبي لها من النجاح ، لقد كان التمرد والعصيان على قدم وساق لم يطيعوه فيما أمر ولم يسمعوا قوله فيما قال ولذا أراد أن يسلك سبيلا آخر يحفظ الخلافة من الانهيار والاغتصاب أراد أن يوثقها وثاقا متينا ثم يسلمها لأهلها فلعلها تسلم لهم ولذا قال لهم « إيتوني بدواة ( 3 ) وبياض أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا » وهنا تنازعوا فبعضهم يقول : قربوا لرسول اللّه يكتب كتابا لا تضلوا بعده ومنهم يرفض ذلك وعمر يقول دعوه إن النبي ليهجر ويرى رسول اللّه الخلاف ويسمع النزاع فيتأثر لهذا المشهد الرهيب وهنا إن أصر على الكتابة سيسقط مفعولها بعد رميه بالهجر وبالتالي قد يشكل ذلك خطرا على كلام النبي بجملته

--> ( 1 ) تاريخ ابن الأثير ج - 2 ص 318 . ( 2 ) أوعب : خرج القوم ولم يبق منهم أحد . ( 3 ) تاريخ ابن الأثير ج - 2 ص 320 .