السيد عباس علي الموسوي
64
شرح نهج البلاغة
صاحب عقل قد تنزه عن الهوى والغرض أن يؤمن بها ويتبعها ويدعو إليها . . ( وتحذيرا بالآيات ) فإن تخويف الناس من عذاب اللّه وعقابه لكي يرتدعوا عن الباطل ويؤمنوا بالحق كانت إحدى الوسائل التي يتبعها الداعون إلى اللّه إذ ربما رغب الإنسان عن المنفعة وأعرض عنها ولكنه لن يترك عوامل الخوف تسيطر عليه وتقهره فلذا كان دفع الضرر والخوف أولى من جلب المنفعة وأقوى على تحريك الإنسان نحو تحقيق المراد وقد كان التخويف بالنار وما أعده اللّه من العذاب على مستوى الترغيب بالجنة وما فيها من نعيم وقوله عليه السلام من قوله تعالى ( 1 ) : وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلّا تَخْوِيفاً . . . . ( وتخويفا بالمثلات ) فقد كان النبي يخوّف قريشا بل العرب والناس جميعا أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة حيث أخذهم اللّه تارة بالطوفان وأخرى بالصاعقة وثالثة بالقحط والجوع ورابعة أرسل عليهم القمل والضفادع وخامسة أرسل عليهم الصيحة وهكذا فكان يخوفهم أن لم يؤمنوا به ويصدقوه أن يصيبهم ما أصاب السابقين . ( والناس في فتن انجذم فيها حبل الدين ) بعد أن ذكر عليه السلام دواعي البعثة وأسبابها ذكر حال الناس وما كانوا عليه من ضلال وفساد فقد كانوا يعيشون الاختلاف والتشتت والبدع الباطلة وليس للدين أثر أو وجود . . كان هناك زخرفة الكهان وعقد السحرة وبدع المشعوذين وأما الدين فقد انقطعت علاقاتهم به وتنكروا له ولأحكامه . . ( وتزعزعت سواري اليقين ) اضطربت أسس الدين عندهم فتزلزلت عقيدتهم باللهّ ويقينهم به وبكتبه ورسله فكانوا يعبدون الأصنام يتوجهون إليها بالدعاء وطلب الحاجات تاركين اللّه معرضين عنه وقد كانت مواقفهم العدائية للنبي من الأدلة على اضطراب عقائدهم وتشتت أمرهم وانحراف طريقهم . ( واختلف النجر وتشتت الأمر ) اختلفوا في أصل العقيدة التي هي الإيمان باللهّ وتوحيده وعبادته فمنهم من أنكر وجوده ومنهم من شبهه بخلقه ومنهم من أشرك معه غيره فتوزع الناس واختلفوا فيما بينهم ولم يعد لهم وحدة جامعة تؤلف بينهم وتجمع شملهم . . ( وضاق المخرج وعمي المصدر ) فهذه الفتن والضلالات قد استحكمت بين الناس وأحاطت بهم حتى أصبح الخروج منها متعسرا . . لقد أضحت دينا يصعب الخروج منها
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، آية - 59 .