السيد عباس علي الموسوي
40
شرح نهج البلاغة
وعداوته ) وبعد أن خلق اللّه آدم أسكنه الجنة وجعل حياته فيها طيبة هانئة كريمة كما قال تعالى : ( 1 ) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ، ومضافا إلى هذه الجهة ازداد عليه تفضلا حينما حذره من إبليس وإغوائه ونهاه عن إطاعته وخوفه عداوته المتملكة من نفسه لئلا يضله حيث قال لآدم : ( 2 ) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى . . . . ( فاغتره عدوه نفاسة عليه بدار المقام ومرافقة الأبرار فباع اليقين بشكه والعزيمة بوهنه واستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما ) وبعد هذا التحذير الشديد والتنبيه الأكيد . . وبعد الإنذار والتخويف لآدم من إبليس وقع آدم ضحية المفاجأة التي أخذها إبليس عليه . . عز على إبليس أن يكون آدم في دار النعيم مقيما دائما في خير دار فدخل عليه واقتحم الأسوار المنيعة التي ضربها اللّه عليه من حيث تحذيره له أن لا يركن إليه ، ولكن إبليس حلف لآدم أنه يدلّه على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكل منها في ساعة الغفلة فراح اليقين منه بالشك الذي وسوسه إليه إبليس وبهذا الإغواء تغيرت الأمور وتبدلت فانقلب الفرح والسرور الذي في الجنة إلى خوف وحزن في دار الدنيا وانقلب هذا الاغترار الذي غره به إبليس حسرة وندما وألما . . ( ثم بسط اللّه سبحانه له في توبته ولقاه كلمة رحمته ووعده المرد إلى جنته وأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية ) بعد أن ارتكب آدم خلاف الأولى أدرك موقعه فتدارك ذلك بالتوبة وندم على فعله وعرف أن الشيطان قد غرهّ فعاد إلى اللّه فعاد اللّه عليه بالتوبة كما قال تعالى : ( 3 ) فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ ربَهِِّ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنِهَُّ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ ثم وعده بأنه سيعود إلى الجنة . وذكر الإمام أن آدم بعد أن فعل فعلته أنزله اللّه إلى الأرض وجعلها دار البلاء والاختبار فالمطيع إلى الجنة والعاصي إلى النار وجعلها محل أولاد آدم وذريته .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية - 35 . ( 2 ) سورة طه ، آية - 117 . ( 3 ) سورة البقرة ، آية - 27 .