السيد عباس علي الموسوي

39

شرح نهج البلاغة

المتضادة المتعادية فجعل فيه الحرارة والبرودة فداخله حار وخارجه بارد نسبة إلى الداخل كما جعل فيه الرطوبة واليبوسة هذا إذا حمل المعنى على المعنى المادي وأما إذا قصد به الأمور المعنوية فإن الإنسان مركب من أمور متباينة مختلفة فهو يحمل الفرح والحزن والحب والبغض والإيثار والاستئثار ويحمل الخوف والشجاعة وهكذا . . ( واستأدى اللّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم وعهد وصيته إليهم في الإذعان بالسّجود له والخنوع لتكرمته فقال سبحانه : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا اعترته الحميّة وغلبت عليه الشّقوة وتعزز بخلقه النّار واستوهن خلق الصلصال ) عهد اللّه إلى الملائكة أنه سيخلق آدم واستفهمت يومها بقولها : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وأجابهم اللّه بقوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وقدم لهم أنه إذا خلقه لا بد لهم من السجود له فعند ما خلقه طلب منهم أن يؤدوا الوديعة التي عهدها إليهم من الخضوع والخشوع والسجود تكريما لآدم وامتثالا لأمر اللّه بقوله لهم : اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلّا إِبْلِيسَ فإنه المخلوق العاصي المتمرد الذي احتج على السجود ورفض أمر المعبود . . . لقد أخذته الانفة وسنّها لمن بعده فأصبح صاحب مدرسة يخرّج منها القوافل والقادة وغلب عليه الشقاء فخسر السعادة ، إنه رأى نفسه متعالية متكبرة رآها أعظم من آدم حيث أعظم خلق النار وحقّر خلق الصلصال الذي هو الطين الذي خلق منه آدم قال تعالى حاكيا مقولته مفضلا نفسه على آدم مبينا علة ذلك أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخلَقَتْهَُ مِنْ طِينٍ ( 1 ) . . ( فأعطاه اللّه النظرة استحقاقا للسخطة واستتماما للبلية وإنجازا للعدة فقال : قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ . بعد أن رفض إبليس السجود لآدم وتمرد على أمر اللّه استحق غضبه وعقابه ولما عرف ذلك المصير وتلك النهاية التعيسة التي سيصل إليها طلب من اللّه أن يمهله ويؤخر أخذه وعذابه قائلا للباري قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى ( 2 ) فاستجاب اللّه له فقال له : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ - الممهلين - إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ - يوم القيامة وإنما كان ذلك لكي يستحق العقاب والعذاب ويكون الامتحان كاملا تاما إنه عذاب يفوق عذاب جميع المتمردين والعاصين . . . ( ثم أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه وآمن فيها محلتّه وحذره إبليس

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية - 12 . ( 2 ) سورة الحجر ، آية - 36 .