السيد عباس علي الموسوي
223
شرح نهج البلاغة
وبعد هذا الحدث قدم علج من أهل الأنبار على الإمام فأخبره الخبر فصعد المنبر وقال : إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار وهو معتز لا يخاف ما كان واختار ما عند اللّه على الدنيا فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا . ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلم منهم متكلم فلم ينبس أحد منهم بكلمة . فلما رأى صمتهم نزل وخرج يمشي راجلا حتى أتى النخيلة والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا : إرجع يا أمير المؤمنين ونحن نكفيك فقال : ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم فلم يزالوا به حتى رجع . . ثم وجه سعيد بن قيس في ثمانية آلاف وراء سفيان بن عوف الغامدي وبقي الإمام في حزن حتى عاد سعيد وكان الإمام في مرض فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد ومعه الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر ودعا سعدا مولاه فدفع إليه كتابا يقرأه على الناس ، فكان هذه الخطبة . . وهذه الخطبة روعة في البيان . . سلسة على اللسان . . عذبة الألفاظ ، فيها لذة ونخوة واندفاع حتى إنها انتخبت في الأدب العربي لتدريس الطلاب لجمالها وقوة بيانها . . . وذكر الإمام إن الجهاد باب من أبواب الجنة ترغيبا للناس وبيانا للحقيقة وإذا كان من أبواب الجنة فعلى الراغبين فيها أن يدخلوا منه وأن يلجوا إليها عن هذا الطريق . . . الجهاد باب من أبواب الجنة ولكنه لم يفتح لكل الناس ولن يفتح إلا لفئة واحدة . . إنها فئة المجاهدين . . فئة المناضلين والمدافعين عن شرف الإسلام وعزته ورفعته وسمو منزلته . . . باب مغلق في وجه الناس ويفتحه المجاهد بدمه وجراحه . . بسيفه ورمحه وسنانه . . بالكلمة المحقة في وجه الباطل الذي يعربد وينتفخ . . الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه اللّه لخاصة أوليائه . . لأناس اختصوا باللهّ وباعوا أنفسهم منه فكان اللّه لهم . . إنهم خواص اللّه وأحباؤه الذين نظروا إليه فعشقوا المسير نحو كرامته . . . ثم وصف الجهاد بأنه لباس التقوى فمن كان تقيا كان مجاهدا . ومن كان مع اللّه كان مجاهدا . . وهنا يظهر زيف المقولة التي رسمها لنا الاستعمار وتقبلها بعض البسطاء من أبناء الأمة . . المقولة التي تقول إن القتال يتنافى مع التقوى ولا يجتمع معها . . فليسمع البسطاء كيف يرد الإمام على أصحاب هذه المقولة وكيف يعري أقوالهم عن