السيد عباس علي الموسوي
206
شرح نهج البلاغة
النفس . . ما أصعبه من موقف ذاك الذي يقفه الإنسان ويرى أمام عينيه حقه يسلب وعدوه يتنمر ومع ذلك يرى الناس تقف منه موقف المتردد والشاك بل الخاذل والمعاند . . وأمير المؤمنين عاش في الكوفة يرى عصيان أهلها له وترددهم وشكهم وتسويفهم وتأخرهم . . يحركهم فلا يتحركون . . يدفعهم بلسانه وبيانه فلا يسمعون . . يصيح بهم ويصرخ في وجوههم ولكن دون جدوى . . . وهذه الصيحة منه واحدة من جملة الصيحات فيها تأنيب وتحقير واستصغار . . . ما هي إلا الكوفة ليس لي غيرها ولا أملك سواها إنها تحت يدي أحركها كيف أشاء ، إنها طوع يميني . . إنها لحقارتها كالدرهم في يد صاحبه وما يفيده وإن كان تحت يده إن لا يقدر على سدّ خلته وقضاء حاجته وهكذا هي الكوفة لحقارتها يقول « ما هي إلا الكوفة ويعقبها بقوله : إن لم تكوني إلا أنت تهب أعاصيرك فقبحك اللّه » أي إن لم يكن لي من الملك والسلطان إلا الكوفة التي تحوي النفاق والعصيان والتمرد والخلاف فلا كانت وأبعدها اللّه عني وزواها عن ملكي . ثم استشهد ببيت من الشعر استصغارا لها وتحقيرا وإن الكوفة بالنسبة إلى بقية البلدان كبقايا الدسم الذي يتخلف في الإناء فلا يستفاد منه بل تشمئز منه النفس وتتقزز وهكذا الكوفة . . ( أنبئت بسرا قد اطلع اليمن وإني واللّه لأظن أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم ) أخذ في حثهم على الجهاد ودفعهم للاستنفار لعلهم يتحسسون فيتحركون وينهضون فهو يخبرهم أن قد وصلت إليه الأنباء بأن بسر بن أرطأة قد استولى على اليمن وملكها وأصبحت تحت يده ومن هذا النبأ المفجع الدامي دخل في قراءة جديدة للأحداث وإن القضية لن تنتهي عند هذا الحد وتتوقف عند حدود اليمن بل إني أقسم باللهّ صادقا لأظن وظن الألمعي يقين فكيف بظن الولي أن هؤلاء معاوية وعصابته سيتولون الأمر بدلكم وستنتقل الدولة منكم إليهم . . . ثم أخذ في تعليل هذا الظن بقوله : ( باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم وبمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته ) .