السيد عباس علي الموسوي

196

شرح نهج البلاغة

وصفنا سابقا هو حال المرء المسلم الذي لا يخون ما اؤتمن عليه من تكاليف ووصايا ويعمل بكل أوامر اللّه وتكاليفه فإنه ينتظر إحدى الحسنين . . واحدة من اثنتين ، إما أن يقبضه اللّه إليه ويستدعيه إلى جواره وهذه نعمة كبرى لأن ما عند اللّه خير من كل ما حوته الدنيا وما فيها وإما أن يرزقه أولادا وثروة وغنى ومع ذلك كله وبالإضافة إليه يبقى محافظا على دينه ومروته وما تمتع به من خصال شريفة ورثها عن أهله وأمجاد تسلمها منهم وبذلك ينال الدين والدنيا وهذه حال المرء المسلم يبقى بين واحدة من اثنتين إما جوار اللّه واللّه لن يجور على من جاوره وفي ذلك سعادة الآخرة وإما أن يعطيه الدنيا مع الحفاظ على الدين والكرامة وتلك سعادة الدنيا والآخرة . . ( وإن المال والبنين حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة وقد يجمعهما اللّه تعالى لأقوام ) ترغيب في العمل الباقي الدائم الذي يكسب به الإنسان الجنان وتحقير وتصغير من شأن العمل الذي يكون أثره في الدنيا فحسب . . فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا وما كان للدنيا يبقى أثره فيها . . فأنت تتمتع بما عندك من مال وتنال ما تشتهي به . . . تسيح في الدنيا تنتقل كعصفور من غصن إلى غصن وتطال ما تقع عيناك عليه . . وأما الأولاد فإنك تسر لرؤياهم تشعر بلذة عندما يحيطون بك وقد تأخذك العزة وعلو النفس فتشمخ ولكن كل هذا سيبقى هنا في الدنيا ويفنى كما قال الإمام في بعض كلمات ، « وأحبب من شئت فإنك مفارقه » ستترك خلفك كل ما جنيته وستترك وراءك كل أحبابك وأولادك . . . وأما العمل الصالح من صلاة وصيام وحج وإعانة فقير وإعالة أرملة وسد عوز محتاج ودفع ظالم وإقامة الحق وإزهاق الباطل وتوفير الحكم الإسلامي الذي يبسط ظله على الأرض فترتفع المنكرات وتتحرك الواجبات هذه وأمثالها لن تموت بموت الإنسان ولن يأتي عليها الفناء عندما يأتي الموت لهذا الإنسان بل ستتبعه وتسير معه وتكون وسيلته إلى الخلود في الجنة ومن كان عمله العمل الصالح تمت له السعادة وفاز . . . ومن رحمة اللّه وعنايته فإن الأمرين قد يجمعهما اللّه لبعض عباده زينة الحياة الدنيا والعمل الصالح كما وقع لنبي اللّه سليمان أو ليوسف أو لغيرهما من المؤمنين الصالحين وذلك بفضل اللّه وتقديره فلا يجب أن يتأثر الإنسان بشيء بل يكل الأمر للهّ فهو الذي إذا أراد أن يجمعهما لك جمعهما . . . ( فاحذروا من اللّه ما حذركم من نفسه واخشوه خشية ليست بتعذير ) فاللهّ حذرنا