السيد عباس علي الموسوي

195

شرح نهج البلاغة

الشرح ( أما بعد فإن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطرات المطر إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة ونقصان فإن رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا تكونن له فتنة ) ما قدرّه اللّه لعباده وكتبه لهم وعليهم ينزل من عند اللّه كما ينزل المطر فهذه بقعة تنال حظا أوفر من تلك وهذه يكثر قطرها دون تلك وكذلك كل نفس تنال حظها وحصتها مما قدره اللّه لها فهذه قد تكون في سعة وغنى وتلك قد تكون في ضيق وقلة وهذه قد تكون عقيم وأخرى ولود وهذه قد تكون صاحبة وجاهة وأخرى قد تكون وضيعة فهذا التفاوت من أجل إتمام دورة الحياة وكمالها ومن أجل مصلحة المجتمع ونموه وازدهاره . . من أجل أن يحتل كل فرد موقعا من الحياة يسد ثغرتها ويملأها بما تحتاج إليه فإذا رأى أحد من الناس زيادة فيما عند أخيه زيادة من مال أو ثروة أو جاه أو ولد فلا ينبغي أن يتحول ذلك إلا عنصر إضلال ومادة فساد ينحرف برؤيته الرائي ويضل الناظر . . . إنه عليه السلام أراد أن يرد الأمر للهّ ويلفت نظر هذا الإنسان إلى قضية إذا عاد إليها واطمأن بها ارتاحت نفسه واستقرت أعصابه واستطاع أن يقطع شوط الحياة بلذة ونعيم . . إنها العودة إلى اللّه وإرجاع الأمر إليه فهو الذي زاد في ثروة فلان وهو الذي قتر على فلان وهو الذي رفع ملوكا وهو الذي أهلك آخرين وهو الذي أغنى . . وهو الذي أفقر . . فإذا اطمأن الإنسان إلى هذه القضية ارتاحت نفسه واستقرت أحواله وتحولت النعمة التي أنعمها اللّه على الغير إلى مادة شكر عند الناظر يلتفت ليسبح اللّه ويمجده ويقول يا رب إنك أنت الذي تعطي وأنت الذي تمنع . . إنك وحدك القابض ووحدك الباسط . . ( فإن المرء المسلم ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت ويغري بها لئام الناس كان كالفالج الياسر الذي ينتظر أول فوزه من قداحه توجب له المغنم ويرفع بها عنه المغنم ) فإن الإنسان المسلم إذا لم يأت بأمر فيه مضرة وحقارة وفيه معصية ورذيلة بحيث لو ظهرت لأعين الناس وانكشفت لهم استحى منها وخجل ولم يكن فيها إغراء للسفلة وضعاف النفوس لو لم يكن المسلم كذلك لكان كاللاعب بالقمار المنتصر الذي ينتظر أول فلاحه وربحه ليكتسب ويربح ويرفع عن نفسه الخسارة . . ( وكذلك المرء المسلم البرى ء من الخيانة ينتظر من اللّه إحدى الحسنيين ، إما داعي اللّه فما عند اللّه خير له ، وأما رزق اللّه فإذا هو ذو أهل ومال ومعه دينه وحسبه ) حال من