السيد عباس علي الموسوي
183
شرح نهج البلاغة
الحياة ينتقل الإنسان من خلاله إلى عالم آخر كما انتقل من قبل من كونه نطفة لا تعقل ولا تفهم استقرت في رحم الأم ونمت فأصبحت جنينا ضمن مراحل الجنين ثم أخرجته يد القدرة إلى العالم الخارجي . وإلى الدنيا فابتدأ حياة جديدة تغاير سابقتها وتختلف عنها ثم أخذ في النشوء والنمو حتى بلغ به الأمر أن أصبح رجلا سويا وبعد أن يبلغ من العمر مداه يعود إلى مرحلة الضعف وعدم القدرة وعندما يضع القدر حكمه ينتقل من هذه الدار إلى الدار الآخرة التي هي دار تغاير دار الدنيا وتختلف عنها تماما بشّر بها الأنبياء وبينوها للناس ووصفوها وأوضحوا معالمها وخصوصياتها وما فيها . . إنها دار البقاء والاستقرار دار النعيم أو الجحيم ، دار الجنة أو النار . . . يخرج الإنسان من هذه الدنيا فيرى أهوال تلك الدار الآخرة وعقباتها ويرى عذابها وعقابها . . يرى الأمور على حقيقتها واضحة أمامه يمارسها ويعيشها ويكتوي بألمها . . يرى نعيم الآخرة وما فيها من ملذات وسرور . . يراها ويعيشها ويتذوق طعمها . . . إن كل ما يمر في الآخرة من أهوال وآلام وما يعترض هذا الإنسان فيها من سدود وموانع كل ذلك محجوب عن ابن الدنيا لم يدرك حقيقته ولم يطلع عليه إلا بالوصف الوارد عن الأنبياء . . . والإمام يقول لو أنكم رأيتم وأنتم في دار الدنيا ما رأى من مات منكم لأخذكم الخوف الشديد وشدكم الفزع والرعب مما رأى ولاقى لأنه رأى ما يدهش العقل ويرعب القلب وعندها تسمعون كلام الدعاة إلى اللّه والدالين عليه والآمرين بأمره ولأطعتم ربكم في كل ما أمر وامتنعتم عن كل ما منع . . . ثم اعتذر عنهم وبعدها حذرهم اعتذر عنهم بأن الحجب هي التي منعتهم عن الرؤية لتلك الأهوال والمصاعب فالموت حجاب يمنع الرؤية الحقيقية لذلك العالم وما فيه ، وهو منتهى الحجب وأعظمها وبه تنكشف الأمور على حقيقتها ولكن قبل ذلك هناك حجب النفس الشريرة التي تمارس المعصية والانحراف فتشكل حاجزا عن رؤية الحقيقة وتمنع من الاطلاع على تلك الدار وما فيها . . . النفس إذا رقت وشفّت اخترقت الحجب وقفزت فوق الحواجز واكتشفت الأمور وأدركتها على حقيقتها وسعت إليها بعد هذه المعرفة وهذا الاطلاع ومن هنا نرى كيف يعيش الأنبياء عيشة الزهد والتقشف . . ونعرف كيف كان حرصهم على هداية الناس وإرشادهم وعلى إعانتهم ومساعدتهم . . ونعرف أيضا كيف يعرفون ما يدور في نفوس الآخرين وما يضمرون ويسرون . . نعرف كيف كان أصحاب التقى يتكلمون بما تحوي