السيد عباس علي الموسوي

16

شرح نهج البلاغة

الشرح ( الحمد للهّ ) هذا على العادة في الخطابة وافتتاح الكلام حيث جرت الأمور أن يبدأ الكلام بالحمد للهّ والثناء عليه . . والحمد يجب أن يكون بالأقوال والأفعال والقلوب وقد روي عن الصادق عليه السّلام كما في الكافي للكليني أنه قال : ما أنعم اللّه على عبده بنعمة صغرت أو كبرت فقال : الحمد للهّ ، إلا أدى شكرها . . ( الذي لا يبلغ مدحته القائلون ) هذا إقرار بالعجز وأنه مهما أثنى على اللّه ومدحه بمختلف المدح فإن ذلك يبقى عصارة قصوره وما يملك من تصور بشري محدود دون ما يستحق اللّه وما هو أهله . . ( ولا يحصى نعماءه العادون ) : نعم اللّه لا تعد ولا تحصى وهذا مأخوذ من قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها ( 1 ) . . . وقد أنعم اللّه على هذا الانسان بنعم ظاهرة وأخرى باطنة قال تعالى : ( 2 ) وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نعِمَهَُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً والظاهرة كل ما يعلم بالمشاهدة والباطنة ما لا يعلم إلا بدليل أو لا يعلم أصلا . ( ولا يؤدي حقه المجتهدون ) فمهما تفرغ الانسان وبذل طاقته وجد واجتهد فإنه لن يؤدي حق اللّه وما وجب عليه نحوه لأنه متفضل متكرم ، منعم ابتداء ومن ابتدأ بالنعم لا تستطاع مكافأته وأداء حقه . ( الذي لا يدركه بعد الهمم ) فمهما كانت العزائم كبيرة والأفكار عالية وعميقة في إدراكها فلن تدرك كنه اللّه أو تصل إلى شيء من خصائص الواقعية . ( ولا يناله غوص الفطن ) لا تصل إليه أو تدركه دقة الذهن وجودته مهما سبحت في بحار المعرفة واغترفت من العلم لأنها لا تستطيع الوصول إلا إلى ما تتصوره وترسمه في ذهنها من خلال الحس أو التخيل واللّه سبحانه منزه عن ذلك وفي الحديث عن الباقر عليه السلام « وهل سمي عالما قادرا إلا لأنه وهب العلم للعلماء والقدرة للقادرين فكل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم والباري تعالى وأهب الحياة ومقدر الموت ولعل النمل الصغار تتوهم أن للهّ تعالى زبانيين فيها كما لها

--> ( 1 ) سورة النحل ، آية ، 18 . ( 2 ) سورة لقمان ، آية ، 28 .