السيد عباس علي الموسوي
149
شرح نهج البلاغة
لأهله فراحوا يدافعون عنه ويتقاتلون تحت لواء راكبته ولكن ما أن سقط على الأرض حتى هرب كل من كان حوله وتفرقوا وهدأت المعركة . . وبعبارة ابن أبي الحديد « فما هو إلا أن صرع الجمل حتى فرت الرجال كما يطير الجراد في الريح الشديدة » . ( أخلاقكم دقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق ) وقد ذم الإمام أهل البصرة ببعض أخلاقهم القبيحة فإنهم أصحاب أخلاق دنيئة رذيلة وعهودهم لا وفاء لهم بها بل إذا بايعوا نكثوا وأصدق شاهد ما وقع لهم معه ووصف دينهم بأنه نفاق فهم ليسوا مسلمين صادقين وإنما يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر . ( وماؤكم زعاق ) أي مالح لا تقبله النفس ولا تستسيغه وهذا ذم لاختيارهم الذي وقع على هذا الشيء المرفوض وإذا أردت أن تحط من شأن إنسان قد تحط من نفس الغرض الذي اختار كأن تسقط الكتاب وتعيبه وتتكلم عليه فيعرف من اختاره أنه بدون ذوق في عملية الاختيار . ( المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه ) بعد أن وصفهم بما هم فيه وبيّن مساويهم خلص إلى نتيجة بأن المقيم معهم مؤاخذ بذنبه لا خلاص له منه من حيث أن الطبايع تعدي والعادات تنتقل أو أنه وهو مقيم معهم لا يقدر على ردعهم ومنعهم عما هم فيه فيشمله البلاء وتعمهّ النقمة وقد ورد النهي عن الإقامة في بلاد يقل فيها الدين خصوصا إذا خاف الإنسان على نفسه من الانحراف ففي الحديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال : إياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين واحذروا فتنتهم وتباعدوا عن ساحتهم . . . وإذا كان المقيم بينهم تطاله هذه العقوبة القاسية ويؤاخذ بذنبه فمن كان بعيدا عنهم وتركهم وارتحل أدركته رحمة ربه لسلامته وأمنه من مجاورتهم وقربهم . ( كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث اللّه عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها ) وهذه مفردة من مفردات الإمام الغيبية حيث رأى بعين البصيرة وما كشفه اللّه له من المستقبل بأن البصرة ستغرق وسينال أهلها العذاب والعقاب لشدة ذلك العذاب نالهم من تحتهم ومن فوقهم وغرقوا وهم فيها فهو يطالهم من جميع الجهات ولا يبقى منها إلا المسجد ظاهر علامة عليها ودليل على أنها كانت هنا . . . ( وفي رواية وأيم اللّه لتغرقن بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة ) وهذا حلف منه وقسم يؤكد على أن البصرة ستغرق وسيعمها الماء ولا يبقى