السيد صادق الموسوي
569
تمام نهج البلاغة
فَهِيَ كَرَوْضَةٍ اعْتَمَّ مَرْعَاهَا ، وَأَعْجَبَتْ مَنْ يَرَاهَا ، عَذْبٌ شُرْبُهَا ، طَيِّبٌ تُرْبُهَا ، تَمُجُّ عُرُوقُهَا الثَّرى ، وَتَنْطِفُ فُرُوعُهَا النَّدى . حَتّى إِذَا بَلَغَ الْعُشْبُ إبِاّنهَُ ، وَاسْتَوى بنَاَنهُُ ، هَاجَتْ ريحٌ تَحُتُّ الْوَرَقَ ، وَتُفَرِّقُ مَا اتَّسَقَ ، فَأَصْبَحَتْ ، كَمَا قَالَ اللّهُ - تَعَالى - : هَشِيماً تذَرْوُهُ الرِّياحُ وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 1 ) . فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ ( 2 ) كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا . رَحِمَ اللّهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ ، وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ ، وَأَبْصَرَ فَازْدَجَرَ ، وَعَايَنَ إِدْبَارَ مَا قَدْ أَدْبَرَ ، وَحُضُورَ مَا قَدْ حَضَرَ ( 3 ) . فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَمّا قَليلٍ لَمْ يَكُنْ ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخِرَةِ عَمّا قَليلٍ لَمْ يَزُلْ . وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَصٍ ، وَكُلُّ سُرُورٍ ( 4 ) مُنْقَضٍ ( 5 ) ، وَكُلُّ جَمْعٍ إِلى شَتَاتٍ ( 6 ) ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ ، وَكُلُّ آتٍ قَريبٌ ، وَكُلُّ قَريبٍ ( 7 ) دَانٍ . عِبَادَ اللّهِ ، إِنَّكُمْ وَمَا تَأْمَلُونَ مِنْ هذهِِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ ، وَمَدينُونَ مُقْتَضَوْنَ ، أَجَلٌ مَنْقُوصٌ ، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ . فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيِّعٌ ، وَرُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ . وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ في زَمَنٍ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فيهِ إِلّا إِدْبَاراً ، وَالشَّرُّ فيهِ إِلّا إِقْبَالًا ، وَالشَّيْطَانُ في هَلَاكِ النّاسِ إِلّا طَمَعاً . فَهذَا أَوَانُ قَوِيَتْ عدُتَّهُُ ، وَعَمَّتْ مكَيدتَهُُ ، وَأَمْكَنَتْ فرَيستَهُُ . إِضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النّاسِ ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلّا فَقيراً يُكَابِدُ فَقْراً ، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ
--> ( 1 ) الكهف ، 45 . ووردت الفقرات في الكافي ج 8 ص 15 . والمستدرك لكاشف الغطاء ص 146 . ونهج السعادة ج 7 ص 54 . ونهج البلاغة الثاني ص 194 . باختلاف بين المصادر . ( 2 ) - لا يغرّنّكم . ورد في نسخة الأسترآبادي ص 126 . ونسخة عبده ص 248 . ونسخة الصالح ص 149 . ( 3 ) ورد في دستور معالم الحكم للقضاعي ص 48 . ونهج السعادة للمحمودي ج 3 ص 280 . ( 4 ) ورد في غرر الحكم للآمدي ج 2 ص 545 . ( 5 ) - متنغّص . ورد في المصدر السابق . ( 6 ) ورد في المصدر السابق . ( 7 ) ورد في المصدر السابق .