السيد صادق الموسوي
544
تمام نهج البلاغة
وَمَا بَرِحَ للهِّ ، عَزَّتْ آلاَؤهُُ ، فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ ، وَفي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ ، عِبَادٌ نَاجَاهُمْ في فِكْرِهِمْ ، وَكَلَّمَهُمْ في ذَاتِ عُقُولِهِمْ ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقْظَةٍ ( 1 ) فِي الأَبْصَارِ وَالأَسْمَاعِ وَالأَفْئِدَةِ . يُذَكِّرُونَ بِأَيّامِ اللّهِ ، وَيُخَوِّفُونَ مقَاَمهَُ ، بِمَنْزِلَةِ الأَدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ . مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إلِيَهِْ طرَيقهَُ وَبشَرَّوُهُ بِالنَّجَاةِ ، وَمَنْ أَخَذَ يَميناً وَشِمَالًا ذَمُّوا إلِيَهِْ الطَّريقَ وَحذَرَّوُهُ مِنَ الْهَلَكَةِ . وَكَانُوا كَذَلِكَ مَصَابيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ ، وَأَدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ . وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لأَهْلًا أخَذَوُهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلًا ، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عنَهُْ ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيّامَ الْحَيَاةِ ، وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللّهِ في أَسْمَاعِ الْغَافِلينَ ، وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عنَهُْ . فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الآخِرَةِ وَهُمْ فيهَا ، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ ، وَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ في طُولِ الِاقَامَةِ فيهِ ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا ، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لأَهْلِ الدُّنْيَا ، حَتّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النّاسُ ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ . فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ في مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَةِ ، وَمَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ ، وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوينَ أَعْمَالِهِمْ ، وَفَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ ، عَلى كُلِّ صَغيرَةٍ وَكَبيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا ، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فيهَا ، وَحَمَّلُوا ثِقْلَ أَوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ ، فَضَعُفُوا عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِهَا ، فَنَشَجُوا نَشيبجاً . وَتَجَاوَبُوا ( 2 ) نَحيباً ، يَعِجُّونَ إِلى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ عَجيجاً ، لَرَأَيْتَ أَعْلَامَ هُدىً ، وَمَصَابيحَ دُجَىً . قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكينَةُ ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ ، في مَقْعَدٍ ( 3 ) اطَّلَعَ اللّهُ عَلَيْهِمْ فيهِ فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ ، يَتَنَسَّمُونَ بدِعُاَئهِِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ ، رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلى فضَلْهِِ ، وَأُسَارى ذِلَّةٍ لعِظَمَتَهِِ . جَرَحَ طُولُ الأَسى قُلُوبَهُمْ ، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ . لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اللّهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ ، يَسْأَلُونَ مَنْ لَا تَضيقُ لدَيَهِْ الْمَنَادِحُ ، وَلَا يَخيبُ عَلَيْهِ الرّاغِبُونَ .
--> ( 1 ) - بنور اللهّ يقظة . ورد في نسخة الأسترآبادي ص 359 . ( 2 ) - تحاوبوا . ورد في نسخة الجيلاني . ونسخة العطاردي ص 261 عن شرح الكيذري . ( 3 ) - مقام . ورد في نسخة العام 400 ص 311 . ونسخة ابن المؤدب ص 218 . ونسخة نصيري ص 144 . ونسخة الآملي ص 194 . ونسخة الأسترآبادي ص 361 ونسخة عبده ص 490 . ونسخة العطاردي ص 261 .