السيد صادق الموسوي

543

تمام نهج البلاغة

طُرُقَ الآفَةِ إِلَيْهَا ، مُسْتَسْلِمَاتٌ فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ ، وَأَقْذَاءَ عُيُونٍ . لَهُمْ في ( 1 ) كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ ، وَغَمْرَةٌ لَا تَنْجَلي . فَكَمْ أَكَلَتِ الأَرْضُ مِنْ عَزيزِ جَسَدٍ ، وَأَنيقِ لَوْنٍ ، كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ ، وَرَبيبَ شَرَفٍ ، يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ في سَاعَةِ حزُنْهِِ ، وَيَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ، ضَنّاً بِغَضَارَةِ عيَشْهِِ ، وَشَحَاحَةً بلِهَوْهِِ وَلعَبِهِِ ، فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إلِيَهِْ في ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ ، إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حسَكَهَُ ، وَنَقَضَتِ الأَيّامُ قوُاَهُ ، وَنَظَرَتْ إلِيَهِْ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ ، فخَاَلطَهَُ بَثٌّ لَا يعَرْفِهُُ ، وَنَجِيُّ هَمٍّ مَا كَانَ يجَدِهُُ ، وَتَوَلَّدَتْ فيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ ، آنَسَ مَا كَانَ بصِحِتَّهِِ ، فَفَزِعَ إِلى مَا كَانَ عوَدَّهَُ الأَطِبّاءُ مِنْ تَسْكينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ ، وَتَحْريكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ ، فَلَمْ يُطْفِئْ بِبَارِدٍ إِلّا ثَوَّرَ حَرَارَةً ، وَلَا حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلّا هَيَّجَ بُرُودَةً ، وَلَا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلّا مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ . حَتّى فَتَرَ معُلَلِّهُُ ، وَذَهَلَ ممُرَضِّهُُ ، وَتَعَايَا أهَلْهُُ بِصِفَةِ داَئهِِ ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السّائِلينَ عنَهُْ ، وَتَنَازَعُوا دوُنهَُ شَجِيَّ خَبَرٍ يكَتْمُوُنهَُ ، فَقَائِلٌ يَقُولُ : هُوَ لِمَا بِهِ ، وَمُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عاَفيِتَهِِ ، وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلى فقَدْهِِ ، يُذَكِّرُهُمْ أَسَى الْمَاضينَ مِنْ قبَلْهِِ . فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا ، وَتَرْكِ الأَحِبَّةِ ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غصُصَهِِ ، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فطِنْتَهِِ ، وَيَبِسَتْ رُطُوبَةُ لسِاَنهِِ ، فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جوَاَبهِِ عرَفَهَُ فَعَيَّ عَنْ ردَهِِّ ، وَدُعَاءٍ مُؤْلِمٍ لقِلَبْهِِ سمَعِهَُ فَتَصَامَّ عنَهُْ ، مِنْ كَبيرٍ كَانَ يعُظَمِّهُُ ، أَوْ صَغيرٍ كَانَ يرَحْمَهُُ . وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلى عُقُولِ ( 2 ) أَهْلِ الدُّنْيَا . كلام له عليه السلام ( 9 ) عند تلاوته : يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( 3 ) . إِنَّ اللّهَ - سبُحْاَنهَُ وَتَعَالى - جَعَلَ الذِّكْرَ جِلَاءً لِلْقُلُوبِ ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ .

--> ( 1 ) - من . ورد في نسخة العام 400 الموجودة في المكتبة الظاهرية ص 308 . ونسخة ابن المؤدب ص 215 . ونسخة نصيري ص 142 . ونسخة العطاردي ص 258 . ( 2 ) - قلوب . ورد في نسخة عبده ص 488 . ( 3 ) النور ، 36 .