السيد صادق الموسوي

43

تمام نهج البلاغة

خطبة الشريف الرضي رضوان الله عليه أما بعد حمد اللّه الذي جعل الحمد ثمنا لنعمائه ، ومعاذا من بلائه ، ووسيلا إلى جنانه ، وسببا لزيادة إحسانه . والصلاة على رسوله نبي الرحمة ، وإمام الأئمة ، وسراج الأمّة ، المنتخب من طينة الكرم ، وسلالة المجد الأقدم ، ومغرس الفخار المعرق ، وفرع العلاء المثمر المورق . وعلى أهل بيته مصابيح الظّلم ، وعصم الأمم ، ومنار الدين الواضحة ، ومثاقيل الفضل الراجحة ، صلى اللّه عليه وعليهم أجمعين ، صلاة تكون إزاء لفضلهم ، ومكافأة لعملهم ، وكفاء أطيب فرعهم وأصلهم ، ما أنار فجر ساطع ، وخوى نجم طالع . فإني كنت في عنفوان السن ، وغضاضة الغصن ، ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمة عليهم السلام : يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم ، حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب . وجعلته أمام الكلام ، وفرغت من الخصائص التي تخصّ أمير المؤمنين عليا عليه السلام ، وعاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الأيام ، ومماطلات الزمان . وكنت قد بوّبت ما خرج من ذلك أبوابا ، وفصلّته فصولا ، فجاء في آخرها فصل يتضمّن محاسن ما نقل عنه عليه السلام من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب ، دون الخطب الطويلة ، والكتب المبسوطة ، فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره معجبين ببدائعه ، ومتعجّبين من نواصعه ، وسألوني عند ذلك أن أبتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ، ومتشعّبات غصونه : من خطب ، وكتب ، ومواعظ ، وأدب ، علما أن ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينيّة والدنياويّة ، ما لا يوجد مجتمعا في كلام ، ولا مجموع الأطراف في كتاب ، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا ، وقد تقدّم وتأخّروا ، لأن كلامه الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي وفيه عبقة من الكلام النبويّ ، فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع ، ومنشور الذّكر ، ومذخور الأجر ، واعتمدت به أن أبين عن عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة ، مضافة إلى المحاسن الدّثرة ، والفضائل الجمّة . وإنه عليه السلام انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السّلف الأولين الذين إنما يؤثر عنهم منها القليل النادر ، والشاذّ الشارد ، فأما كلامه فهو البحر الذي لا يساجل ، والجمّ الذي لا يحافل . وأردت أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به عليه السلام بقول الفرزدق : أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع ورأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب ثلاثة : أوّلها الخطب والأوامر .