السيد صادق الموسوي
44
تمام نهج البلاغة
وثانيها : الكتب والرسائل . وثالثها : الحكم والمواعظ . فأجمعت بتوفيق اللّه تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب ، ثم محاسن الكتب ، ثم محاسن الحكم والأدب ، مفردا لكل صنف من ذلك بابا ، ومفصّلا فيه أوراقا ، لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذّ عني عاجلا ، ويقع إليّ آجلا . وإذا جاء شيء من كلامه عليه السلام الخارج في أثناء حوار ، أو جواب سؤال ، أو غرض آخر من الأغراض ، في غير الأنحاء التي ذكرتها وقرّرت القاعدة عليها ، نسبته إلى أليق الأبواب به ، وأشدّها ملاحمة لغرضه . وربما جاء فيما أختاره من ذلك فصول غير متّسقة ومحاسن كلم غير منتظمة ، لأني أورد النّكت واللّمع ، ولا أقصد التتالي والنّسق . ومن عجائبه عليه السلام التي انفرد بها ، وأمن المشاركة فيها ، أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ ، والتذكير والزواجر ، إذا تأمله المتأمّل ، وفكّر فيه المتفكّر ، وخلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره ، ونفذ أمره ، وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشكّ في أنه كلام من لا حظّ له في غير الزهادة ، ولا شغل له غير العبادة ، وقد قبع في كسر بيت . وانقطع إلى سفح جبل ، ولا يسمع إلّا حسهّ ، ولا يرى إلّا نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه ، فيقطّ الرقاب ، ويجدّل الأبطال ، ويعود به ينطف دما ، ويقطر مهجا ، هو مع تلك الحال زاهد الزهّاد ، وبدل الأبدال . وهذه من فضائله العجيبة ، وخصائصه اللطيفة ، التي جمع بها الأضداد ، وألّف بين الأشتات ، وكثيرا ما أذاكر الإخوان بها ، وأستخرج عجبهم منها ، وهي موضع للعبرة بها ، والفكرة فيها . وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردّد ، والمعنى المكرّر ، والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا ، فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ، ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير موضعه الأول : إما بزيادة مختارة ، أو لفظ أحسن عبارة ، فتقتضي الحال ان يعاد ، استظهارا للاختيار ، وغيرة على عقائل الكلام . وربما بعد العهد أيضا بما اختير أوّلا فأعيد سهوا أو نسيانا ، لا قصدا واعتمادا . ولا أدعي ، مع ذلك ، أني أحيط بأقطار جميع كلامه حتى لا يشذّ عني منه شاذّ ، ولا يندّنادّ ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عنّي فوق الواقع إليّ ، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يديّ ، وما عليّ إلّا بذل الجهد ، وبلاغ الوسع ، وعلى اللّه سبحانه وتعالى نهج السبيل ، وإرشاد الدليل ، إن شاء اللّه . ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب ب « نهج البلاغة » ، إذ يفتح للناظر فيه أبوابها ، ويقرّب عليه طلابها ، فيه حاجة العالم والمتعلّم ، وبغية البليغ والزاهد . ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل ، وتنزيه اللّه سبحانه وتعالى عن شبه المخلوقين ، ما هو بلال كلّ غلّة ، وشفاء كلّ علّة ، وجلاء كلّ شبهة . ومن اللّه أستمدّ التوفيق والعصمة ، وأتنجّز التسديد والمعونة ، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان ، ومن زلّة الكلم قبل زلّة القدم ، وهو حسبي ونعم الوكيل .