السيد صادق الموسوي

38

تمام نهج البلاغة

وأما السخاء والجود فحاله فيه ظاهرة : وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده ، وفيه أنزل : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حبُهِِّ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لوِجَهِْ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً . وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلّا أربعة دراهم ، فتصدّق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرّا ، وبدرهم علانية ، فأنزل اللّه فيه : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً . وروي عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة ، حتى مجلت يده ، ويتصدق بالأجرة ، ويشدّ على بطنه حجرا . وقال الشعبيّ وقد ذكره عليه السلام : كان أسخى الناس ، كان على الخلق الذي يحبهّ اللّه : السخاء والجود ، ما قال : « لا » لسائل قطّ . وقال عدوهّ ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لمّا قال له : جئتك من عند أبخل الناس . فقال : ويحك كيف تقول إنه أبخل الناس ولو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفق تبره قبل تبنه . وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلّي فيها . وهو الذي قال : يا صفراء ، ويا بيضاء ، غرّي غيري . وهو الذي لم يخلف ميراثا ، وكانت الدنيا كلّها بيده إلّا ما كان من الشام . وأما الحلم والصفح ، فكان أحلم الناس عن ذنب ، وأصفحهم عن مسيء . وقد ظهر صحّة ما قلناه يوم الجمل ، حيث ظفر بمروان بن الحكم ، وكان أعدى الناس له وأشدّهم بغضا ، فصفح عنه . وكان عبد اللّه بن الزّبير يشتمه على رؤوس الأشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغد اللئيم عليّ بن أبي طالب . وكان عليّ عليه السلام يقول : ما زال الزبير رجلا منّا أهل البيت حتى نشأ ولده المشئوم عبد اللّه . فظفر به يوم الجمل ، فأخذه أسيرا ، فصفح عنه ، وقال : اذهب فلا أريدك . لم يزده على ذلك . وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة ، وكان له عدوّا ، فأعرض عنه ولم يقل له شيئا . وقد علمتم ما كان من عائشة أم المؤمنين في أمره ، فلما ظفر بها أكرمها ، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عمّمهنّ بالعمائم وقلّدهن بالسيوف . فلمّا كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به ، وتأفّفت ، وقالت : هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي . فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهنّ ، وقلن لها : إنما نحن نسوة . وحاربه أهل البصرة ، وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف ، وشتموه ولعنوه ، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم ، ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يتبع مولّ ، ولا يجهز على جريح ، ولا يقتل مستأسر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن تحيّز إلى عسكر الإمام فهو آمن . ولم يأخذ أثقالهم ، ولا سبى ذراريّهم ، ولا غنم شيئا من أموالهم ، ولو شاء أن يفعل كلّ ذلك لفعل . ولكنه أبى إلّا الصفح والعفو ، وتقيّد بسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله يوم فتح مكة ، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد ، والإساءة لم تنس . ولمّا ملك عسكر معاوية عليه الماء ، وأحاطوا بشريعة الفرات ، وقالت رؤساء الشام له : اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا . سألهم عليّ عليه السلام وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء ، فقالوا : لا واللّه ، ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفّان . فلمّا رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدّم بأصحابه ، وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة ، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع سقطت منه الرؤوس والأيدي ، وملكوا عليهم الماء ، وصار أصحاب معاوية في الفلاة ، لا ماء لهم . فقال له أصحابه وشيعته : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضا