السيد صادق الموسوي

39

تمام نهج البلاغة

بالأيدي ، فلا حاجة لك إلى الحرب . فقال : لا واللّه لا أكافئهم بمثل فعلهم ، افسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حدّ السيف ما يغني عن ذلك . فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا ، وإن نسبتها إلى الدّين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام . وأما الجهاد في سبيل اللّه فمعلوم عند صديقه وعدوهّ أنه سيّد المجاهدين ، وهل الجهاد لأحد من الناس إلّا له . وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى ، قتل فيها سبعون من المشركين ، قتل عليّ ستة وثلاثين منهم ، وقتل المسلمون والملائكة أربعة وثلاثين . وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي ، وتاريخ الأشراف لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ، ومغازي محمد ابن إسحاق المطلبي ، وغيرهم ، علمت صحة ذلك . دع من قتله في غيرها كأحد ، والخندق ، وحنين ، وخيبر ، وغيرها . وهذا الفصل لا معنى للإطناب فيه ، لأنه من المعلومات الضرورية ، كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما . وأما الفصاحة ، فهو عليه السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء . وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين . ومنه تعلّم الناس الخطابة والكتابة . قال عبد الحميد بن يحيى : حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع عليّ بن أبي طالب ، ففاضت ثم فاضت . وقال الأصبغ بن نباته : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده إلّا سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل من مواعظ عليّ بن أبي طالب . ولما قال محفن بن أبي محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيا الناس ، قال له : ويحك كيف يكون أعيا الناس فو اللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره . ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة . وحسبك أنه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دوّن له . وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه . وأما سماحة الأخلاق ، وبشر الوجه ، وطلاقة المحيّا والتبسّم ، فهو المضروب به المثل فيه ، حتى عابه بذلك أعداؤه . قال عمرو بن العاص لأهل الشام : إنه ذو دعابة شديدة . وقال عليّ عليه السلام في ذلك : عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن فيّ دعابة ، وأنيّ امرؤ تلعابة ، أعافس وأمارس . وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه : للهّ أبوك لولا دعابة فيك . إلا أن عمر اقتصر عليها ، وعمرو زاد فيها وسمّجها . قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا ، لين جانب ، وشدّة تواضع ، وسهولة قياد ، وكنّا نهابه مهابة الأسير المربوط للسيّاف الواقف على رأسه .