السيد صادق الموسوي

32

تمام نهج البلاغة

رشادها ، وتقوّم منها مرادها ، وتنفّر بها عن مداحض المزالق ، إلى جوادّ الفضل والكمال . وطورا كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة ، وأنياب كاشرة ، وأرواح النمور ، ومخالب النسور ، قد تحفّزت للوثاب ، ثم انقضّت للاختلاب ، فخلبت القلوب عن هواها وأخذت الخواطر دون مرماها ، واختالت فاسد الأهواء ، وباطل الآراء . وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا ، لا يشبه خلقا جسدانيا ، فصل عن الموكب الإلهي ، واتّصل بالروح الإنساني ، فخلع عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى ، وسكن به إلى عمار جانب التقديس ، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس . وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بإعياء الكلمة ، وأولياء أمر الأمة ، يعرّفهم مواقع الصواب ، ويبصّرهم مواضع الارتياب ، ويحذّرهم مزالق الأضراب ، ويرشدهم إلى دقائق السياسة ، ويهديهم طرق الكياسة ، ويرتفع بهم إلى منصّات الرئاسة ، ويصعّدهم شرف التدبير ، ويشرف بهم على حسن المصير . ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي رحمه اللّه من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، جمع متفرقّه وسماّه « نهج البلاغة » ، ولا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه منه ، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دلّ عليه اسمه ، ولا أن آتي بشيء في بيان مزيتّه فوق ما أتي به صاحب الاختيار » ولو أردنا أن نأتي بكل ما قيل في نهج البلاغة لطال بنا المقام ، وحسبك يا قارئ الكتاب ما ذكرنا شهادة وبرهانا .