السيد صادق الموسوي

31

تمام نهج البلاغة

( 3 ) الإيجاز الدقيق مع الإطناب في مقامه ، ويظهر ذلك في فقره ، وسجعاته الفريدة ، التي يجمل بكل أديب أن يحفظ الكثير منها ، ليكون بيانه التكوين العربي السليم . ( 4 ) المحسّنات البديعة في نمط ممتاز ، من جناس إلى طباق وترصيع ، وإلى قلب وعكس ، تزدان بجمالها البلاغة ، ويكمل بها حسن الموقع . ( 5 ) الجرس والموسيقى ، وجمال الإيقاع ، مما يدركه أهل الذوق الفني . ويحسن قبل الختام أن أشير إلى ما نوهّ به صاحب « الطراز » الإمام يحيى اليمني ، فقد تكرر ذلك في عدة مناسبات وأولها تمثيله للبلاغة في أول كتابه ، قال ، وهو في ذلك الصدد : « فمن معنى كلامه ارتوى كل مصقع خطيب ، وعلى منواله نسج كل واعظ بليغ ، إذ كان عليه السلام مشرّع البلاغة ، وموردها ، ومحطّ البلاغة ومولدها ، وهيدب مزنها الساكب ، ومتفجّر ودقها الهاطل ، وعن هذا قال أمير المؤمنين في بعض كلامه : نحن أمراء الكلام ، وفينا تشبثت عروقه ، وعلينا تهدّلت أغصانه . ثم أورد مثالا من أول خطبة في « نهج البلاغة » ، وقال : العجب من علماء البيان والجماهير من حذّاق المعاني كيف أعرضوا عن كلامه وهو الغاية التي لا مرتبة فوقها ، ومنتهى كل مطلب ، وغاية كل مقصد ، في جميع ما يطلبونه ، من المجازات والتمثيل والكنايات . وقد أثر عن فارس البلاغة ، وأمير البيان ، الجاحظ ، أنه قال : ما قرع سمعي كلام بعد كلام اللّه ، وكلام رسوله إلّا عارضته ، إلّا كلمات لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، فما قدرت على معارضتها ، وهي مثل قوله : « ما هلك امرؤ عرف قدره » و « استغن عمّن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره » . الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد : « نهج البلاغة » هو ما اختاره الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وهو الكتاب الذي ضمّ بين دفتّيه عيون البلاغة وفنونها ، وتهيأت به للناظر فيه أسباب الفصاحة ، ودنا منه قطافها ، إذ كان من كلام أفصح الخلق بعد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم منطقا ، وأشدهم اقتدارا ، وأبرعهم حجّة ، وأملكهم للّغة يديرها كيف شاء ، الحكيم الذي تصدر الحكمة عن بيانه ، والخطيب الذي يملأ القلب سحر بيانه ، والعالم الذي تهيّأ له من خلاط الرسول ، وكتابة الوحي ، والكفاح عن الدين بسيفه ولسانه منذ حداثته ، ما لم يتهيأ لأحد سواه . الأستاذ الشيخ محمد عبده : قد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب « نهج البلاغة » مصادفة بلا تعمّل ، فتصفّحت بعض صفحاته ، وتأملت جملا من عباراته ، فكان يخيّل لي في كل مقام أن حروبا شبّت ، وغارات شنّت ، وأن للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة ، وأن للأوهام عرامة ، وللريب دعارة ، وأن جحافل الخطابة ، وكتائب الدرابة ، في عقود النظام ، وصفوف الانتظام ، تنافح بالصفيح الأبلج ، والقويم الأملج ، وتمتلج المهج بروّاضع الحجج ، فتقلّ من دعارة الوساوس وتصيب مقاتل الخوانس فما أنا إلّا والحق منتصر ، والباطل منكسر ، ومرج الشكّ في خمود ، وهرج الريب في ركود ، وأن مدبر تلك الدولة ، وباسل تلك الصّولة ، هو حامل لوائها الغالب ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد ، وتحوّل المعاهد : فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية ، في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية ، توحي إليها