السيد صادق الموسوي
227
تمام نهج البلاغة
فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشينَ ، وَأَهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلينَ . لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالأَوْطَانِ ( 1 ) ، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجيرَانِ ، عَلى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ ، وَدُنُوِّ الدّارِ . وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بكِلَكْلَهِِ الْبِلى ، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرى ، فَأَصْبَحُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ أَمْوَاتاً ، وَبَعْدَ غَضَارَةِ الْعَيْشِ رُفَاتاً . قَدْ فُجِعَ بِهِمُ الأَحْبَابُ ، وَأُسْكِنُوا التُّرَابَ ، وَظَعَنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ ، وَتَمَنَّوُا الرُّجُوعَ فَحيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ . هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، كَلّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 2 ) . وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلى مَا صَارُوا إلِيَهِْ مِنَ الْوَحْدَةِ وَالْبِلى في دَارِ الْمَوْتى ( 3 ) ، وَارْتَهَنَكُمْ ذَلِكَ الْمَضْجَعُ ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ . فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الأُمُورُ ، وَبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ، وَهُتِكَتْ عَنْكُمُ الْحُجُبُ وَالأَسْتَارُ ، وَظَهَرَتْ مِنْكُمُ الْعُيُوبُ وَالأَسْرَارُ ، وَزَالَ الشَّكُّ وَالِارْتِيَابُ ، وَأُوقِفْتُمْ لِلتَّحْصيلِ ، بَيْنَ يَدَيِ مَلِكٍ جَليلٍ ، فَطَارَتِ الْقُلُوبُ لإِشْفَاقِهَا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ ( 4 ) ، هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 5 ) . إِنَّ اللّهَ يَقُولُ في كتِاَبهِِ : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 6 ) . وَقَالَ : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 7 ) .
--> ( 1 ) - بالعمران . ورد في دستور معالم الحكم ص 61 . وتاريخ دمشق ( ترجمة الإمام علي بن أبي طالب ) ج 3 ص 269 . وتذكرة الخواص ص 117 . وكنز العمال ج 16 ص 201 . ومنهاج البراعة ج 14 ص 337 . ونهج السعادة ج 3 ص 182 . ( 2 ) المؤمنون ، 100 . ووردت الفقرات في المصادر السابقة . باختلاف . ( 3 ) ورد في المصادر السابقة . عدا تذكرة الخواص . ( 4 ) ورد في دستور معالم الحكم ص 62 . وتاريخ دمشق ( ترجمة علي بن أبي طالب ) ج 3 ص 269 . وتذكرة الخواص ص 117 . وكنز العمال ج 1 ص 202 . والأمالي ص 695 . ومنهاج البراعة ج 14 ص 338 . ونهج السعادة ج 3 ص 183 . باختلاف . ( 5 ) يونس ، 30 . ( 6 ) النجم ، 31 . ( 7 ) الكهف ، 49 . ووردت الفقرة في المصادر السابقة . ومصباح البلاغة ج 2 ص 116 عن مجموعة ورّام . باختلاف بين المصادر .