السيد صادق الموسوي
19
تمام نهج البلاغة
اللّاحقين من عشّاق درر كلام عليّ الوصول إلى كلّ منابع الروايات المذكورة في « نهج البلاغة » ، وعجزت أيدي اللاهثين لنيل جواهر علومه عن تناوش كلّ مراجع تلك الأحاديث المرويّة ، وقام كل باحث مخلص مثابر بجهد جهيد في سبيل الاقتراب من أسانيد « نهج البلاغة » ، وتجميع ما حذفه السيد الشريف الرضي رضوان اللّه عليه من الخطب والكلمات المأثورة . ولقد قامت تلك المستدركات بفعل العناء المضني لمؤلفيها على أكمل وجه بالدور المبتغى منها ، ووفّرت على المحققين كثيرا من الجهد والعناء ، فجزى اللّه أصحابها خير الجزاء . لكني ، وأنا أقل خدّام شرع اللّه الديّان ، رأيت أنه ينبغي محاولة استخراج النصوص الكاملة ، قدر الإمكان ، عبر الاستعانة بالمصادر والمراجع عند أرباب علم الحديث الموثوقين ، والاسترشاد بما توصّل إليه الشرّاح والمستدركون ، دون الخروج عمّا أورده سيدنا الرضيّ ، والابتعاد عن سياق ما اقتطفه باختياره الذكيّ ، ( 1 ) حتى يقترب القارئ ، قدر المستطاع ، من خطاب مولانا عليّ ، ويتصور نفسه من الجالسين تحت منبره مستمعا كلامه فوق البشريّ ، وهكذا يعيش أجواء عهد أمير المؤمنين عليه السلام ، ويرى نفسه مخاطبا بما نطق في خطبه الجليلة وكلماته العظام . ولقد انتظرت كثيرا من يبادر إلى هذا العمل الجليل المخصوص ، بأفضل الوجوه وأكمل النصوص ، لكن رغم مضي السّنين ، والسؤال من جميع المعتنين ، وجدت أن أحدا لم يبدأ بهذا العمل ، ولم يشرع بولوج هذا الباب الأجلّ ، فتوكلت على اللّه الموفّق المعين ، واستمددت من مقام مولانا أمير المؤمنين ، فدخلت في هذا البحر الذي لا يدرك قعره ، طامعا بالعون الربّاني لتدارك عجزي عن خوض غمار بحره ، وآملا مدد السماء لإنجاز خدمة نحو خير الخليقة بعد خاتم النبوّة محمّد عنده ، وكان من مظاهر لطفه تعالى تفتّح الأبواب أمامي ، ومن تجلّيات عونه تهافت وصول النّصح من المخلصين لي ، وتقديمهم كل ما يعينني على إكمال عملي ، وأخصّ بالذكر السابقين المعاصرين في هذا المضمار ، والمتبحّرين في بحر نهج البلاغة الزّخّار ، والضليعين في التنقيب عن مصادر النهج وتثبيتها ، والمتخصصين في توثيق نصوصه وتصحيحها ، العلّامة الشيخ محمد باقر المحمودي صاحب كتاب « نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة » ، والعلّامة السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب مؤلف كتاب « مصادر نهج البلاغة وأسانيده » ، حفظهما اللّه جلّ جلاله ، فقد جادا عليّ بعصارة تجربتهما ، وسخيا عليّ بخلاصة خبرتهما ، وأفاضا عليّ بأفضل نصيحتهما ( 2 ) ، وكذلك آية اللّه خزعلي عضو مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور في إيران ، وسماحة العلامة الشيخ حسن سعيد مؤسس مكتبة مسجد جامع طهران ، والدكتور أسعد علي الأستاذ في جامعة دمشق الذين أعاروني نسخا خطية قيّمة أفادتني كثيرا في إزالة الأخطاء الواردة والنواقص الموجودة في النّسخ المتداولة ، لهم ولغيرهم من الناصحين أسأل اللّه الأجر والثواب ، ومن أمير المؤمنين ساقي الحوض أرجو لهم ولي الشفاعة يوم الحساب ( 3 ) . ولقد اكتشفت أثناء البحث الدقيق عن تكملات خطب وكلمات « نهج البلاغة » اختلافا في نصوصه ناتجا عن خطأ النسّاخ في العصر الغابر ، وبسبب أخطاء الطبعات في الزمان الحاضر ، فقمت بمقابلة النّسخ المطبوعة في زماننا ، والمخطوطة الموجودة بين أيدينا ، وثبّتّ ما سقط من إحداها ، وصحّحت الخطأ الوارد فيها ، وعند عدم التيقّن من صحّة إحدى الكلمات ، دوّنت ما ورد بأكثر النصوص في المتون وجعلت الأخرى في الهامشات ، تسهيلا للمطالع المحقق والقارئ المستفيد ومغنيا لهما عن التفتيش بين النّسخات ، والحيرة في اختيار الصحيح من الكلمات . والنسخ التي تمّت مقابلتها هي : 1 - نسخة مخطوطة عام 400 ه ( لم نجد اسم كاتبها ) موجودة في المكتبة الظاهرية في دمشق تحت الرقم 6778 .
--> ( 1 ) - لقد التزمت بهذه القاعدة إلّا في حالات نادرة جدا يدرك القارئ أهميتها حين مشاهدتها . ( 2 ) - لقد سأل اللهّ تعالى العلامة الخطيب أن يطيل عمره حتى يرى الكتاب مطبوعا ، وذلك في رسالة إلى المحقق ، لكن توفاه اللهّ بعد طبع الكتاب وقبل أن أتوفق لإيصال نسخة منه إليه . فرحمه اللهّ وأسكنه فسيح جناته . ( 3 ) - ( لقد زاد عدد النسخ الخطية والمطبوعة التي استفدنا منها في النسخة الموثّقة التي بين يديك عن النسخة المشروحة ) .