السيد صادق الموسوي
18
تمام نهج البلاغة
واتفقت على قبول إمرة من تظاهرت عليه ، وانثال الناس للبيعة كعرف الضبع إليه ، فساقهم إلى منجاهم ، وهداهم إلى محياهم ، وضمن فوزهم في أخراهم ، حتى تكاتف الجهّال والمنافقون ، وتعاضد الأغبياء والمتضرّرون ، وتعاون الناكثون والمارقون والقاسطون ، فوهن صفهّ ، وتوانى جنده ، وتشتّت أمره ، فغمط المتسلّطون أقدارهم ، وقهر الجائرون أبرارهم ، وامتطى الأشرار أخيارهم ، ثم انتهى الأمر إلى تمزّق المسلمين ، وتعادي المؤمنين ، وتذابح أبناء الدين المبين ، فضعف المسلمون المخلصون ، وتجرّأ عليهم الطّغاة الفاسقون ، وطمع فيهم أعداء اللّه الكافرون ، فأغاروا على ما تطهّر من رجسهم ، واسترقّوا من تحرّروا من ربقهم ، واستعبدوا من وضع عنهم غلّهم ، فكان أول ما ارتكبه الحاسدون من الإثم علّة ما أصاب ظهر المسلمين بعدئذ من القصم . وبعد ، فقد بقي من أثر سيد البلغاء ، وما روي عن زعيم الفصحاء ، وما نقل عن أمير المتكلّمين والخطباء ، سيّدنا ومولانا علي عليه السلام ، ما حدّث به الرواة من درر بليغ الكلام ، وثبتّه المؤرّخون من عقائق المعاني العظام ، وحفظوها من الاندثار على مرّ السنين والأيام ، حتى توزعت في مختلف أبواب الكتب ، واقتطف منها كل كاتب كتب . وذهّب بها مقاله كلّ من تكلّم وخطب ، إلى أن كان عصر المبرّز في ميدان العلم والأدب ، والفطحل في البلاغة والشّعر والخطب ، السيد الرضيّ الشريف النسب ، فاختار من جنّة كلام أمير المؤمنين زهرات استطاب ريحها ، واقتطع من روضة خطب إمام المتقين مقاطع استحسن بلاغتها ، وانتخب من بين ما طالت يده فصولا بهرته فصاحتها ، كل ذلك حسب ذوقه الرفيع في الأدب ، وعلمه الغزير بأمر شرع الربّ . ويكفي للتدليل على إذعان الجميع بسبقه ، وإقرارهم بعظيم فضله ، واعترافهم بعلوّ منزله ، أن نسبوا ما رواه الرضيّ في « نهج البلاغة » إليه ، حسدا منهم لعليّ عليه السلام في مماته ، كما حسده الحاسدون طوال حياته . فأصبحت مختاراته النفيسة لؤلؤة تزيّن كلام كل أديب ، وأضحت مقتطفاته القيّمة حياة لكل أريب ولبيب ، وتلذّذ بالتبحّر في معاني كلماتها كل محقق ونقيب ، فجزاه اللّه خير الجزاء بما خدم الإسلام خدمة جدّ جليلة ، وأبقى للمسلمين بعد القرآن خير ذخيرة ، وأثابه بها جنات عدن وجوار محمد وعترته أفضل جيرة . وبعد أن أحرقت جحافل المغول والتتار ، وعساكر أرباب الجهل وأضداد الأنوار ، وجنود حكومات الطغيان ودول البوار ، مكتبات بغداد والموت والقاهرة ، وتبريز وبخارا والبصرة ، وطرابلس الشام وجبل عاملة ( 1 ) ، وأتلفت مئات الألوف من ثمينات الكتب ، وأحرقت قيّمات كنوز العلم والأدب ، وأبادت ما دوّن من الروايات العلماء والشّيب ، فقد تعذّر على
--> ( 1 ) لقد أحرق القادر باللهّ في مدينة بغداد العام 420 ه خمسين حملا من الكتب ، ما خلا كتب « المعتزلة » و « الباطنية » و « الشيعة » . وأحرق طغرل بك أمير السلاجقة العام 449 ه مكتبة الشيعة في محلة « الكرخ » والتي أنشأها العام 381 ه أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البويهي ، والتي كانت تضمّ أكثر من عشرة آلاف كتاب كلها بخطوط الأئمة المعتبرة ، ومن جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة . هذا إضافة إلى حرق مكتبة شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي وكرسيه الذي كان يجلس عليه للتدريس . كل ذلك لأنهم ترددوا في إضافة قول : « الصلاة خير من النوم » في أذان أسحارهم . وقد أكد التاريخ أن غزو هولاكو الوثني لبلاد المسلمين في العراق وقسم كبير من إيران جاء بتحريض من قاضي قضاة المسلمين ( ) في حينه شمس الدين القزويني للقضاء على الإسماعيليين الشيعة . فجعل هولاكو هذا من الكتب الموجودة يومئذ في خزائن بغداد جسرا على نهر دجلة يعبر عليه جنوده للفتك بالمسلمين ، وأمر بإحراق ما تبقّى منها . وقد بلغ ما استطاع الشيخ نصير الدين الطوسي رضوان اللهّ عليه جمعه من فلول تلك الكتب أربعمائة ألف مجلد استودعها في مكتبة مراغة . وأحرق المغول بقيادة جنكيز خان أثناء غزوهم المصاحف ومزقوها في مدينة بخارا وغيرها من المدن حتى صنعوا من أغلفتها الثمينة مذاود لخيلهم . وكذلك أصدر جنكيزخان أمرا إلى جنوده بردم الخندق المحيط بحصن في « بخارا » بربعات القرآن الكريم وبالمنابر . وأيضا أمر المغول بحرق المكتبة الكبرى في قلعة « الموت » والتي تعب الإسماعيليون كثيرا في جمع نفائسها ، مضافا إلى ما كان فيها من آلات الرصد وأنواع من الأسطرلابات التامة والمنصّفة وذات الشعاع ، وقد استطاع علاء الدين الجويني إنقاذ قليل منها . وكذلك أحرق السلطان أبو سعيد المغولي مكتبة رشيد الدين في مدينة تبريز والتي كانت تضمّ ما لا يقلّ عن خمسين الف كتاب . وفي البصرة أحرق الأعراب من بني عامر دارّين للكتب فيها ، وكان بها نفائس الكتب وأعيانها . وفي القاهرة أحرق الأيوبيون الكتب المتكدسة بالنار ، وتركوا بعضها في الصحراء فسفت عليها الرياح حتى صارت تلالا عرفت بتلال الكتب ، واتخذ العبيد من جلودها نعالا . ويجب التذكير بأن مكتبات مصر الفاطمية كانت تحتوي على مليونين وستمائة ألف كتاب ، وأن مكتبة القصر الفاطمي وحدها كانت تضمّ ستمائة ألف كتاب . ولم يحافظ الأيوبي حتى على خزائن تلك المكتبة التي وصفت بأنها من عجائب الدنيا ، بل بادر إلى بيعها والتخلص من كل أثر للعلم والثقافة . . ولقد جعل الجزّار احمد باشا الوالي العثماني من كتب العلماء في بلاد جبل عامل حطبا لأفران مدينة عكّا طيلة سبعة أيام . وأخيرا قام الصليبيون الإفرنج أثناء احتلالهم لطرابلس الشام بإحراق المكتبة الكبرى فيها والتي أسسها حكام المدينة من بني عمار والتي كانت تضمّ ثلاثة ملايين كتاب . ولقد عمد أعداء الإسلام الأوروبيون ، ومبغضو أهل البيت العثمانيون إلى سرقة كميات كبيرة من نوادر الكتب القيمة التي نجت من الحرق والتلف ، ووضعوها في خزائنهم المحكمة الأبواب ، مبعدينها عن أعين عشّاق العلم والمعرفة ومحتكرينها للاستفادة منها وحدهم .