السيد صادق الموسوي
143
تمام نهج البلاغة
أَذَلَّ الأُمَمِ دَاراً ، وَأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً ، لَا يَأْوُونَ إِلى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا ، وَلَا إِلى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلى عِزِّهَا . فَالأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ ، وَالأَيْدي مُخْتَلِفَةٌ ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ، في بَلَاءِ أَزْلٍ ، وَأَطْبَاقِ جَهْلٍ ، مِنْ بَنَاتٍ مَوْؤُدَةٍ ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ . فَانْظُرُوا إِلى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللّهِ - سبُحْاَنهَُ - عَلَيْهِمْ ( 1 ) حينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ، فَعَقَدَ بمِلِتَّهِِ طَاعَتَهُمْ ، وَجَمَعَ عَلى دعَوْتَهِِ أُلْفَتَهُمْ ، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا ، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعيمِهَا ، وَالْتَفَّتِ ( 2 ) الْمِلَّةُ بِهِمْ في عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا ، فَأَصْبَحُوا في نِعْمَتِهَا غَرِقينَ ، وَفي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهينَ . قَدْ تَرَبَّعَتِ الأُمُورُ بِهِمْ في ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ ، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ ، وَتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ في ذُرى مُلْكٍ ثَابِتٍ ، فَهُمْ حُكّامٌ عَلَى الْعَالَمينَ ، وَمُلُوكٌ في أَطْرَافِ الأَرَضينَ ، يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ ، وَيُمْضُونَ الأَحْكَامَ فيمَنْ كَانَ يُمْضيهَا فيهِمْ . لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ ، وَلَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ . أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطّاعَةِ ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللّهِ الْمَضْرُوبِ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّ اللّهَ - سبُحْاَنهَُ - قَدِ امْتَنَّ عَلى جَمَاعَةِ هذهِِ الأُمَّةِ ، فيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هذهِِ الأُلْفَةِ الَّتي يَتَنَقَّلُونَ ( 3 ) في ظِلِّهَا ، وَيَأْوُونَ إِلى كَنَفِهَا ، بِنِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقينَ لَهَا قيمَةً لأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً ، وَبَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْزَاباً ، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ إِلّا باِسمْهِِ ، وَلَا تَعْرِفُونَ مِنَ الإيمَانِ إِلّا ( 4 ) رسَمْهَُ . تَقُولُونَ : النّارَ وَلَا الْعَارَ . كَأَنَّكُمْ تُريدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الإِسْلَامَ عَلى وجَهْهِِ ، انْتِهَاكاً لحِرَيمهِِ ، وَنَقْضاً لمِيثاَقهِِ الَّذي وضَعَهَُ اللّهُ لَكُمْ حَرَماً في أرَضْهِِ ، وَأَمْناً بَيْنَ خلَقْهِِ .
--> ( 1 ) - عندهم . ورد في هامش نسخة الأسترآبادي ص 304 . ( 2 ) - التقت . ورد في هامش نسخة ابن المؤدب ص 189 . ونسخة نصيري ص 123 . ونسخة الأسترآبادي ص 305 . ( 3 ) - يتقلّبون في طيّها . ورد في نسخة العطاردي ص 299 عن نسخة موجودة في مكتبة ممتاز العلماء في لكنهور - الهند . ( 4 ) - غير . ورد في نسخة نصيري ص 123 .