السيد صادق الموسوي
108
تمام نهج البلاغة
فَمَنْ تَفَكَّرَ في ذَلِكَ ( 1 ) رَجَعَ طرَفْهُُ حَسيراً ، وَعقَلْهُُ مَبْهُوراً ، وَسمَعْهُُ وَالِهاً ، وَفكِرْهُُ حَائِراً . وَكَيْفَ يُطْلَبُ عِلْمُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عِزِّ شَأْنِكَ ، إِذَا أَنْتَ فِي الْغُيُوبِ وَلَمْ يَكُنْ فيهَا غَيْرُكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سِوَاكَ . لَمْ يَشْهَدْكَ أَحَدٌ حَيْثُ فَطَرْتَ الْخَلْقَ ، وَلَا نِدٌّ حَضَرَكَ حينَ ذَرَأْتَ النُّفُوسَ . فَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً مُتَوَالِياً يَدُومُ وَلَا يَبيدُ ، غَيْرَ مَفْقُودٍ فِي الْمَلَكُوتِ ، وَلَا مُنْتَقَصٍ فِي الْعِرْفَانِ ، فِي اللَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ ، وَفِي الصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ، بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ، وَالْعَشِيِّ وَالِابْكَارِ . كَلَّتِ الأَلْسُنُ عَنْ صِفَتِكَ ، وَانْحَسَرَتِ الْعُقُولُ عَنْ كنُهِْ مَعْرِفَتِكَ ، وَتَوَاضَعَتِ الْمُلُوكُ لِهَيْبَتِكَ ، وَعَنَتِ الوْجُوُهُ لِعِزَّتِكَ ، وَانْقَادَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِكَ ، وَخَضَعَتِ الرِّقَابُ لِسُلْطَانِكَ . وَكَيْفَ لَا يَعْظُمُ شَأْنُكَ عِنْدَ مَنْ عَرَفَكَ ، وَهُوَ يَرى مِنْ عِظَمِ خَلْقِكَ مَا يَمْلأُ قلَبْهَُ ، وَيُذْهِلُ عقَلْهَُ ، مِنْ رَعْدٍ يَقْرَعُ الْقُلُوبَ ، وَبَرْقٍ يَخْطَفُ الْعُيُونَ ( 2 ) . لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفينَ مِنْ خَلْقِكَ . لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ ، وَلَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ ، وَلَا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ ، وَلَا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ ، وَلَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ ، وَلَا يَزيدُ في مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ ، وَلَا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ ، وَلَا يَسْتَغْني عَنْكَ مَنْ تَوَلّى عَنْ أَمْرِكَ . كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلَانِيَةٌ ، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ . أَنْتَ الأَبَدُ لَا أَمَدَ لَكَ ، وَأَنْتَ الْمُنْتَهى لَا مَحيصَ عَنْكَ ، وَأَنْتَ الْمَوْعِدُ لَا مَنْجَا مِنْكَ ( 3 ) . بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَإِلَيْكَ مَصيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ ، وَبِإِذْنِكَ تَسْقُطُ كُلِّ وَرَقَةٍ ( 4 ) . سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ ( 5 ) مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ . سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرى مِنْ خَلْقِكَ ، وَمَا أَصْغَرَ عظَيمهَُ في جَنْبِ قُدْرَتِكَ . وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرى مِنْ مَلَكُوتِكَ ، وَمَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فيمَا غَابَ عَنّا مِنْ سُلْطَانِكَ ، وَمَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا ، وَمَا أَحْقَرَهَا ( 6 )
--> ( 1 ) ورد في . ( 2 ) ورد في العقد الفريد لابن عبد ربه ج 4 ص 167 . ونهج السعادة للمحمودي ج 2 ص 647 . باختلاف بين المصدرين . ( 3 ) - إلّا إليك . ورد في عدد من نسخ النهج لكننا ذكرنا متن نسخة نصيري . ( 4 ) ورد في العقد الفريد لابن عبد ربه ج 4 ص 167 . ( 5 ) ورد في المصدر السابق . وغرر الحكم للآمدي ج 2 ص 748 . باختلاف يسير . ( 6 ) ورد في العقد الفريد لابن عبد ربه ج 4 ص 167 . ونهج السعادة للمحمودي ج 2 ص 646 .