الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
541
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وقال محمد بن سليمان الهاشمي : بلغني أنّ المنصور أخذ الدواء في يوم شائت شديد البرد ، فأتيته أسأله عن موافقة الدواء ، فأدخلت مدخلا من القصر لم أدخله قط ، ثم صرت إلى حجرة صغيرة وفيها بيت واحد ورواق بين يديه في عرض البيت وعرض الصحن على أسطوانة ساج وقد سدل على وجه الرواق بواري كما يصنع بالمساجد ، فدخلت فإذا في البيت مسح ليس فيه شيء غيره إلّا فراشه ومرافقه ودثاره ، فقلت له : هذا بيت أربأبك عنه . فقال : يا عم هذا بيت مبيتي . قلت له : ليس هنا غير الذي أرى . قال : ما هو إلّا ما ترى . ومثل البخيل مثل الطائر الذي لا يروى من البحر لئلّا ييبس ، والدود الذي لا يشبع من التراب لئلّا يفنى . وقال واضع مولى المنصور : قال لي المنصور : انظر ما عندك من الثياب الخلقان فاجمعها وجئني بها وليكن معها رقاع ، ففعلت ودخل عليه المهدي وهو يقدّر الرقاع فضحك وقال : من هاهنا يقول الناس : نظروا في الدينار والدرهم وما دون ذلك - ولم يقل دانق - فقال المنصور : إنهّ لا جديد لمن لا يصلح خلقه ، وهذا الشتاء قد حضر ونحتاج إلى كسوة للعيال والولد . فقال المهدي : فعليّ كسوتك وكسوة عيالك وولدك . فقال له : دونك فافعل . . . ( 1 ) . كان عمله هكذا مع انهّ قال لابنه : قد جمعت لك من الأموال ما ان كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحة الثغور . « فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : إنّ فقراء المؤمنين يتقلّبون في رياض الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا . وقال : سأضرب لك مثل ذلك ، إنّما مثله مثل سفينتين
--> ( 1 ) تاريخ الأمم والملوك للطبري 6 : 324 .