الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
224
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
على ما سنذكره في سنة ( 551 ) ( 1 ) . وقال ابن أبي الحديد : من لان استمال ، ومن قسا نفّر ، وما استعبد الإنسان بمثل الإحسان إليه . وقال الشاعر : وإنّي لوحشيّ إذا ما زجرتني * وإنّي إذا ألّفتني لألوف وأمّا قول عمارة بن عقيل : تبحّثتم سخطي فكدّر بحثكم * نخيلة نفس كان صفوا ضميرها ولم يلبث التخشين نفسا كريمة * على قومها ان يستمرّ مريرها وما النّفس إلّا نطفة بقرارة * إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها فيكاد يخالف قوله عليه السّلام ، لأنهّ عليه السّلام جعل أصل طبيعة القلوب التوحّش وإنّما تستمال لأمر من خارج وهو التألّف والإحسان ، وعمارة جعل أصل طبيعة النفس الصفو والسلامة وإنّما تتكدّر لأمر خارج ( 2 ) . قلت : ما قاله ( ابن أبي الحديد ) من مخالفة شعر عمارة لكلامه عليه السّلام خلاف الصواب ، فإنّ شعر عمارة في مقام ، وكلام أمير المؤمنين في مقام آخر ، فأمير المؤمنين يقول : القلوب متوحّشة ممّن لا تعرفه ولا يوصل نفعا إليها ، ومن تألّفها بالمعروف وبذل المال أو حسن الفعال والمقال ، أقبلت عليه . وأمّا عمارة فيقول : السخط يحتاج إلى سبب والأصل في النفوس عدم السخط والعداوة . وكلاهما صحيحان ، فكلّ شيء يحتاج إلى سبب ، فالمودّة تحتاج إلى سبب كما أنّ العداوة تحتاج إلى سبب ، وشعره الأول تضمّن المعنيين .
--> ( 1 ) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري 11 : 185 - 186 . ( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 180 .