الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

148

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

قلّت مروات أهل الأرض كلهم * الا الأقل فليس العشر من عشره لا تحمدن امرأ حتى تجربّه * فربما لا يوافي خبره خبره ( 1 ) ومن شواهد كلامه عليه السّلام ما في ( وزراء الجهشياري ) عن جبرئيل الطبيب - وكان صنيع البرامكة - قال : دخلت على الرشيد يوما وهو جالس على بساط على مشرعة باب خراسان في ما بين الخلد والفرات وأم جعفر من وراء ستر ، فقال الرشيد : قد وجدت شيئا فأشر عليها بما تعمل به . قال : فبينا أنا أنظر في ذلك ارتفعت صيحة عظيمة ، فسأل عنها فقيل له : يحيى بن خالد ينظر في أمور المتظلمين . فقال : بارك اللّه عليه وأحسن جزاءه فقد خفف عني وحمل الثقل - وذكره بجميل . ففعلت أم جعفر مثل ذلك ولم تدع شيئا يذكره أحد من جميل إلّا ذكرته به . قال : فامتلأت بذلك سرورا وقلت في ذلك بما أمكنني وخرجت مبادرا إلى يحيى فخبرته بذلك فسرّ به . ومضت مدة ثم جاءني يوما رسول الرشيد ، فصرت إليه فوجدته جالسا في ذلك المجلس بعينه وأم جعفر من وراء الستر أيضا والفضل بن الربيع بين يديه ، وقد وجدت أم جعفر شيئا فأمرني بتأمل علّتها ، وإنّي لفي ذلك إذ ارتفعت ضجة شديدة ، فقال الرشيد : ما هذا فقيل : يحيى ينظر في أمور المتظلمين . فقال : فعل اللّه به وفعل - وأقبل يذمهّ ويسبهّ - وقال : استبدّ بالأمور دوني وأمضاها على غير رأيي وعمل بما أحبهّ دون محبتي ، وتكلمت أم جعفر بنحو من كلامه وثلبته أكثر مما يثلب به أحد ، فورد علي من ذلك ما أقام وأقعد ، ثم أقبل علي الرشيد فقال لي : يا جبرئيل إنهّ لم يسمع كلامي غيرك وغير الفضل ، وليس الفضل ممن يحكى شيئا عني وعلي لئن تجاوزك لأتلفن نفسك . قال : فتبرأت عنده من ذكره واكبرت الإقدام على حكاية شيء منه وانصرفت ،

--> ( 1 ) تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي : 174 نقله عن كتاب سرّ العالمين للغزالي .