الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

515

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

والدبابات والكمين ، ولم يدعوا دسّ السموم ولا التضريب بين الناس بالكذب وطرح الكتب في عساكرهم بالسعايات وتوهيم الأمور وايحاش بعض من بعض وقتلهم بكلّ آلة وحيلة كيف وقع القتل وكيف دارت بهم الحال ، فمن اقتصر من التدبير على ما في الكتاب والسنّة كان قد منع نفسه الطويل والعريض من التدبير وما لا يتناهى من المكائد ، والكذب أكثر من الصدق والحرام أكثر من الحلال . فعلي عليه السلام كان ملجما بالورع عن جميع القول إلّا ما هو للهّ رضى ، وممنوع اليدين من كلّ بطش إلّا ما هو للهّ رضى ، ولا يرضى الرضا إلّا فيما يرضاه اللّه ويحبهّ ، ولا يرى الرضا إلّا فيما دلّ عليه الكتاب والسنّة دون ما يقول أصحاب الدهاء والنكراء والمكائد والآراء . فلما أبصرت العوام كثرة غرائب معاوية في الخدع وما اتفق له وتهيأ على يده ولم يروا ذلك من علي عليه السلام ظنّوا بقصر عقولهم وقلّة علومهم أن ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند علي عليه السلام ( 1 ) . « فإذا كانت الهزيمة » منكم للعدو باذن اللّه . « فلا تقتلوا مدبرا » من ولّى عن الحرب . « ولا تصيبوا معورا » أي : معيوبا . « ولا تجهزوا على جريح » قال الأصمعي : أجهزت على الجريح إذا أسرعت قتله وقد تممت عليه . هذا ، وقد عرفت من نقل المصنف ورواية ( الكافي ) والطبري أنهّ عليه السلام قال ذلك ( إذا كانت الهزيمة فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ) في صفين ، لكن ينافيه ما رواه الكليني عن شريك قال : لما انهزم الناس يوم الجمل قال

--> ( 1 ) ذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 10 : 228 - 229 .