الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

514

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وفيه - بعد ذكر أمر الحسين عليه السلام في صبيحة العاشر بجمع الحطب والقصب في خلف خيمة النساء وإلقاء النار فيها لئلا يحمل العدوّ عليهن ومشاهدة شمر ذلك فنادى شمر بأعلى صوته : يا حسين استعجلت النار في الدّنيا قبل يوم القيامة فقال عليه السلام له يا بن راعية المعزى أنت أولى بها صليا - : فقال مسلم بن عوسجة للحسين عليه السلام : ألا أرميه يا بن رسول اللّه بسهم ، فإنهّ قد أمكنني وليس يسقط مني سهم والفاسق من أعظم الجبّارين . فقال عليه السلام له : لا فإنّي أكره أن أبدأهم ( 1 ) . قال الجاحظ : ربما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتميز وهو من العامة ويظن انهّ من الخاصة ، يزعم أن معاوية كان أبعد غورا من علي عليه السلام وأصحّ فكرا وأجود رؤية وأبعد غاية وأدقّ مسلكا ، وليس الأمر كذلك ، وسأرمي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه والمكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله ، كان علي عليه السلام لا يستعمل في حروبه إلّا ما وافق الكتاب والسّنة ، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسّنة ويستعمل جميع المكائد حلالها وحرامها ، ويسير في حروبه بسيرة ملك الهند إذا لا قى كسرى وسيرة خاقان إذا لا قى رتبيل ، وعلي عليه السلام يقول في حروبه « لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم ولا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا بابا مغلقا » هذه سيرته في ذي الكلاع وأبي الأعور السلمي وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة ، وفي جميع الرؤساء كسيرته في الحشو والاتباع والسفلة ، وأصحاب الحروب ان قدروا على البيات بيتوا وان قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا ، ولم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق ، وان أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار ، ولم يدعوا أن يضعوا المجانيق والعرادات والنقب والشريب

--> ( 1 ) تاريخ الأمم والملوك 3 : 318 ( دار الكتب العلمية ) .