الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
309
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
المذهب ، وجدناهم يبغضونه مرّة ، ويحقرونه مرّة ، ويبغضون بفضل بغضه ولده ، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه ، ومن غرائب البخل ما لم يفعله ، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء ( 1 ) . وفي ( تاريخ بغداد ) عن إسحاق الموصلي : دخلت على الرشيد يوما فقال : أنشدني من شعرك ، فأنشدته : وآمرة بالبخل قلت لها اقصري * فذلك شيء ما إليه سبيل أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى * بخيلا له في العالمين خليل ومن خير حالات الفتى لو علمته * إذا نال خيرا أن يكون ينيل عطائي عطاء المكثرين تكرّما * ومالي كما قد تعلمين قليل وإني رأيت البخل يزري بأهله * ويحقر يوما أن يقال بخيل إلى أن قال : فقال الرشيد : يا فضل ، أعطه مائة ألف درهم للهّ در أبيات تأتينا بها ، ما أحسن فصولها وأثبت أصولها فقلت : كلامك أجود من شعري . قال : أحسنت يا فضل ، أعطه مائة ألف أخرى . هذا ، وكان عباس بن محمد عمّ أبي الرشيد مكينا عنده ، وكان أراد أن يخطب إليه ابنته ، فجاءه يوما وقال له : هجاني ربيعة الرقي ، فغضب وأمر بإحضاره وقال له : أتهجو عمّي فقال : قد مدحته بقصيدة ما قيل مثلها في أحد من الخلفاء ، فإن رأيت أن تأمره بإحضارها ، فأمره فتلكّأ فعزم عليه فعلم أنهّ أخطأ ، فأحضرت فنظر الرشيد فيها فقال : صدق ربيعة . ثم قال للعباس : بم أثبته فسكت وتغيّر لونه . قال ربيعة : بدينارين . فظنّ الرشيد أنهّ قال ذلك موجدة . قال له : بحياتي كم أثابك قال : وحياتك بدينارين . فغضب الرشيد
--> ( 1 ) البخلاء للجاحظ 2 : 97 - 98 من رسالة أبي العاص الثقفي ، نسخة دار الكتب المصرية .